يترتّب على القصيدة أحيانًا أن تُهمل فوضى الصباح وأن تتجنب صدام الظلام

single

القصيدة هي الإنسكابية في هذا العصر المتحطّب، فإذا ما نظرنا حولنا بعين الغزال المترقّب سنفهم جيدًا أنّ الحالة المتكونة إثر الحروب في هذا الزمان لا تختلف قيمةً وفحوى وتأثيرا عن حروب السنن القديمة، ولكنّ الاختلاف يكمن في الظروف الأصلية المحيطة بالزمان والمكان، مع العلم أنّ الظروف المقصودة ليست نتاج لحظة ولا فجأة بل نتاج تراكميّة معقدة يشترك في بنائها كلّ العناصر الحياتيّة.
نعم، أومن وبشكل كبير أنّ المقاوم أو الثائر الذي يسعى إلى خطوط التماس وهو يحمل على بعدٍ تناسبيٍّ من بندقيته أغنيةً مقاومة أو قصيدة استلحاميّة أو حزمة من الأدبيات المعاصرة له، يتذكر أحداثها وتفاصيلها من الحبكة المعتلية للقمة إلى النهاية المفتوحة على مصراعيها، فهو وفي كل خطوة وعند كل كمين يشبه وبدون شك انفجار القصيدة ولازمة الأغاني والحوار في القصة القصيرة وبالطبع لن يكسل في أن يرى بنفسه بطل الرواية.
نعم، أومن وبشكلٍ كبير أنّ المقاوم أو الثائر الذي ذكرته لا يمكن أن يتوازى مع أيٍّ من المذكورين في لائحة المطلوبين "للعدالة"، منها من أعمى بصره بعقيدةٍ جامدة لا يمكن لها أن تتلاءم مع حجم الفجوة التي قد ترافق الثورة في زمان معين وهكذا فإنّ المذكور لن ينجو من السقوط إلى البداية، وفيها من اعتمد على الانفجار الحسيِّ في وحدته،الناتج وبدون شك من معاناة حقيقية تجمعه مع الكثير من الناس ولكنه اختار فوضوية الحلول بأن يثبت لنفسه أنّه قادر على التضحية بنفسه من أجل معاناته هو نفسه، هكذا يحوّل وبدون قصد هدف الثورة إلى أهداف شخصية مما يؤدي إلى تجزئة الثورة إلى ثورات متضادة على محورٍ واحد، هكذا وبشكل فيزيائي ينتج حقل ثوري متّسع ومختلف الاتجاهات والقوى ولكن يتبين في نهاية المطاف وخصوصا عند الأوقات الصعبة أنّ محصلة القوى تساوي صفرا.
إنّ الإيمان بالأزمة لا يطرح حلًا ولكنه وعلى الأقل يستنجد كلّ الحلول، فإذا نظرنا وقصصنا الأثر خلف سلسلة الأسباب التي أودت بواقع الثورة بعيدًا عن الواقع الانتصاري، الواقع الذي لا زال يجري مبتعدا فإننا سنفهم من خلال تحليلٍ يعتمد في مجرياته على دراسة تاريخ الثورات ويدقق خلال عمله على التفاصيل الصغيرة التي تحولت فيما بعد إلى محاورَ مؤثِّرة، انّ العدو الإمبريالي رفع في وجه الشعب الفلسطيني سلاحًا غامضًا تبيّن انه سلاح فتّاك بعد مرور أكثر من 50 عامًا على الثورة الفلسطينية، هذا السلاح هو التأثير على أدمغة الشعوب لمرحلة تصل فيها البشرية المظلومة إلى استنتاجات متأخرة ومختلفة في ذروتها "الإيمان بانكسار الثورة".
عند الوصول إلى هذه المرحلة لا بد للأخطاء الصغيرة المتواجدة في التنظيم الثوري أن تتضخم بشكلٍ اوتوماتيكي إثر التأثير الشعبي الذي صخب لنقد الأخطاء بشكلٍ هدّام بدل أن يصخب ذلك المارد الشعبي إلى لمّ الجرح لتعود الكف جبارًا لملاطمة المخرز، وبهذا فانّ الشعب وهو آلهة الثورة قد ثار بشكلٍ مضاد في وجه التنظيم ووجه العوامل المحفِّزة التي تتواجد في أيّ ثورة طبيعيّة، من القادة إلى الأحزاب إلى المحاكم الثورية وهكذا تطعن الثورة نفسها من الخلف بسكّين امبريالي لتبدأ بذلك مرحلة جديدة أسميها "مرحلة تشييع الثورة على أكتاف أبنائها"، وما يميّز هذه المرحلة أنها ستكون شاهدة على جريمة التجزئة بحجّة الطعن من الخلف أو المناداة للتفرقة والاختلاف وكل هذا باسم الثورة ولكن الحقيقة الجليّة عند الجميع هي أننا جميعًا نقبع تحت ظل المسؤوليّة ولا زلنا نتملّص منها.
إنّ المرحلة الحاضرة الآن ما بعد تشييع الثورة تحمل شعارًا منطقيًا نابعًا من الظروف الحقيقية وهو "البحث عن الثورة البديلة"، لا بد ولمحض الصدفة أنّ فلاديمير لينين قد نسي أن يستشهد في تحليلاته السياسية حول "كومونة باريس" أو "الثورة الروسية الأولى" عن الحالة التي يمكن الدخول إليها إذا ما قتلت الثورة نفسها ففي الحالتين المذكورتين فشلت الثورة ولكن إثر قتلها من قبل عدوها بشكل خاص، ربما لو شهد لينين على سقوط الاتحاد السوفييتي لكان من نصيبنا قراءة عظيمة حول الحالة الكامنة بعد أن تموت الثورة انتحارًا، ولكن لا بدّ لنا أن نقارن ما بين فلسفة الثورة المنتصرة وما بين الفلسفة المتوقعة من الممارسة للثورة الخاسرة فعلى الأغلب ستوصلان بالواقع إلى المرحلة الحتمية للفوضى ولكن لزمن مؤقت، الفرق سيكمن في طريقة التعامل مع الفوضى من أجل إنهائها.
إنّ أدبياتنا الملازمة للمرحلة الحالية هي فعلا أدبيات فوضويّة وعمليات المقاومة والدفاع القائمة على أساس فردي هي إلى حد كبير من الفوضى (فلندرس عمليات المقاومة من الجبهة الشعبية وغيرها في السنوات الأولى للمقاومة من عملية الخالصة وخطف الطائرات إلى غيرها، هدفًا وطريقة ورسالة)، لا يسار حقيقي لهذه المرحلة من الثورة، لا مؤسسات، لا تقدميين عربًا، لا مجالس خاصة، لا نقابات عمالية شاملة، لا محاكم، لا منابر تعج بالأدباء ومنصة الأغنيات الملتزمة أصبحت منقوصة، لا معاهد لمراجعة التاريخ، لا معاهد للتعليم العالي، لا طاولات مستديرة للنقاش حول التفاصيل، لا وجود لفلسفة معاصرة، لا وجود لنشأة مُفكرة، لا اقتصاديًا ذاتيًا، لا اتحادات طلابية شاملة، لا مؤسسات رياضية وفي النهاية ولأمانة الإحصاء نحن أيضًا لسنا شعبًا مُنتجًا.
نعم، هناك أخطاء قام بها كل من الحركات والقيادات التنفيذية للثورة وهناك قيود وظروف أعلى من السيطرة، هناك أزمات واستغلال وضائقة اقتصادية صعبة، هناك فقر وجوع وجهل وتعب، الرأسمالية وبذروتها كامبريالية تنهش من لحمنا يوما بعد يوم، هناك انهيار وتفتت نفسي ومادي يؤدي في النهاية إلى الانتحار شخصيا وشعبيا وثوريا ولكن فلنتوقف عند التفاصيل، إنّ المرحلة لا تحتاج إلى مُعزّين، تحتاج إلى بناة، وأهم البناة هم جيلنا الشاب، بالقلم والريشة، بالكتاب والحجر، بالمنجل والشاكوش، بالبندقيّة والفكر لنكون صفعة بوجه كل من نادى وينادي إلى الآن بفوضوية الثورة.
علينا أن نعود لنكون شعبًا متمسكا بهويته أولًا ومن ثمّ علينا أن نؤمن بالتنظيم وأن نبني الترسانة الثوريّة عبر التنظيم، الترسانة التي ستقف مع كل ثائر ومقاوم عند خط التماس.
في زمنٍ أصبح فيه التنظيم نشاطًا إضافيًا والوطن ليس أكبر من هواية عليك أن تفكر في البدْء من جديد.



(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ألمرحوم أبو حسين نجيب عجمية عامل وفلاح يُحتذى بسيرته

featured

دوّار الدجاني ودُوار رأس "المسلمة بشرى"!

featured

رفيقنا طه عابد: على دربك الوطني والانساني سائرون

featured

حملة المقاطعة، وبهلوانات التواطؤ

featured

يشاي ينافس بيغن على التطرف والرذيلة

featured

الحجّاج والحلاج في تونس

featured

انقطعت أخباره بعد أن سافر إلى شرقي الأردن قاصدًا أمراء نجد لتوعيتهم ضد الخطر الصهيوني ووعد بلفور..

featured

الاجماع العربي المزعوم