مقاومون في العدوان على لبنان 2006
هل كان ذلك مجرد صدفة ان تلجأ السعودية، ومعها ملحقاتها الخليجية الأخرى، إلى معاقبة لبنان "الصغير" و"المتواضع"، أم ان "مملكة الخير" ضاقت ذرعًا بلبنان هذا ولم تعد تستطيع السكوت عليه، وقد تجرأ في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير ان يخالف رأيها، وان لا ينصاع لأوامرها فصوّت ضد رغبتها حسب قناعاته ومصلحته الوطنية العليا؟!
فبعد اقتحام سفارة السعودية في طهران، على أثر إعدام الشيخ نمر باقر النمر، طلبت السعودية عقد اجتماع عاجل للجامعة العربية على مستوى سفراء الخارجية، لما اعتبرته عدوانا على سفارتها. وللحقيقة فإن ايران اعتذرت عن هذا الحادث، واعتقلت عددًا من مواطنيها بتهمة اقتحام السفارة. ونحن مع العرف الدولي المتبع، وهو حماية السفارات والبعثات الدبلوماسية لأي بلد في اي مكان. وكان يمكن اعتبار هذا الحادث منتهيًا بإدانة قوية لاقتحام السفارة السعودية، وتقديم احتجاج رسمي لإيران بهذا الخصوص، ومطالبتها بعدم تكرار مثل هذا الحادث.
هكذا تتصرف الدول في الظروف المشابهة، ولا تلجأ إلى إجراءات ابعد من ذلك، لكن السعودية آثرت ان تقطع علاقاتها الدبلوماسية بطهران، وان تجر معها بعض الملحقات الخليجية، في خطوة تصعيدية ضد إيران، مع انه لا مبرر لها. كما ان حكام السعودية الحاليين تصرفوا بطريقة أخرى، وبعقلية أخرى تغلب عليها القبلية وضيق الأفق وعدم المرونة السياسية، وهذا شأنهم. وقد كان لبنان ضمن الذين أدانوا اقتحام السفارة السعودية، كغيره من الدول العربية والدول الاخرى. وهذا اقصى ما يمكن ان يفعله لبنان، لكن السعودية لم تكتفِ بذلك بل اصرّت ان يتخذ وزراء الخارجية العرب قرارًا، يمكن اعتباره عدائيًا ضد طهران وأرادت "إجماعا" عربيا في إظهار العداء لإيران. وهذا ما لم يكن بمقدور لبنان، ممثَّلا بوزير خارجيته السيد جبران باسيل، ان يقبل به ويصوّت لصالحه، حفاظًا على التوازنات الداخلية في لبنان التي لا تحتمل ان تحمّل اكثر مما تقدر. وقال باسيل فيما بعد ان لبنان ليس إمارة سعودية ولا ولاية ايرانية. وهو توجه صحيح ويصبّ في مصلحة لبنان، واظهر انه يصبّ في المصلحة العليا للأمة العربية. فالإجماع العربي، الذي تسعى إليه السعودية، هو إجماع قبلي، تعصبي، حاقد، يثير الطائفية والمذهبية، وليس من السياسة في شيء. وقد تكون هناك دول عربية اخرى لم يرق لها هذا القرار، لكنها سايرت السعودية على مضض، ولم تملك شجاعة جبران باسيل، لتعبر عن رأي شعوبها .لكن هذا هو وضع الحالة العربية المتردية، والنظام الرسمي العربي المأزوم، وليس هذا بجديد علينا. ولكي لا يكون في المستقبل لبنان عربي آخر، يجرؤ على قول "لا" في وجه السعودية، رأيناها تنقضّ على لبنان "الصغير" و"المتواضع"، لتعلمّ الآخرين به درسًا. وهذا يذكّرني بالفيلسوف والشاعر العربي الكبير أبي العلاء المعرّي، الذي مرض ذات يوم فاقترح عليه اهل الخبرة ان يذبحوا له فرّوجًا صغيرًا ليأكل لحمه، ويحتسي من شوربة مرقة هذا الفرّوج، فطالبهم ان يحضروا له هذا الفرّوج. وحين امسك به قال أبو العلاء: "استصغروك فوصفوك"، فأطلق سراحه، ورفض ان يكون لحم هذا الفرّوج الصغير دواء له.
لكن اين حكام السعودية من ابي العلاء وحكمة هذا الفيلسوف الشاعر، الذي سيظل منارة فكرية عربية وإنسانية شامخة، مثلما سيظل لبنان العربي بفكره العروبي والتنويري اكبر من الخليج، واعز شأنا وارفع كبرياء؟! فالذين يتحدثون عن العروبة وعن الإجماع العربي، عليهم ان يتذكّروا ان لبنان الكبير هذا كان، ومنذ قرن ونصف، رافعة قوية للتنوير والعروبة. وان كنا ننسى فلن ننسى ابناء لبنان العظام من المصلحين والتنويريين، أمثال خليل اليازجي وناصيف اليازجي والمعلم بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وأمير البيان شكيب أرسلان. ولن ننسى كذلك مارون عبّود، الذي سمّى ابنه محمدًا تيمنًا بالرسول الأعظم، قبل تسعين عامًا، وهو ابن وحفيد لخوري ماروني معروف، حيث كتب قصيدته الرائعة ومطلعها:
عشت يا ابني يا خير صبي
ولدته أمه في رجب
امّه ما ولدته مسلما او
مسيحيًا ولكن عربي
فهتفنا واسمه محمدٌ
أيها التاريخ لا تستغرب
خفف الدهشة واخشع إن رأيت
ابن مارون سميًّا للنبيّ
فالنبيّ القرشيّ المصطفى
آية الشرق وفخر العرب
يا بنيّ فاعتزّ باسمٍ خالدٍ
وتذكّر إن تعش أوفى أب
فهذا هو لبنان العربي، وعلى هذا يكون الإجماع العربي، وليس في تجييش عداء عربي لأعداء وهميين، في حين ينسون العدو الحقيقي..!
وإذا نسي حكام اليوم في الخليج ما قام به الآباء اليسوعيون في لبنان، منذ أكثر من قرن من الزمان، خدمة للعروبة وخدمة للغة العربية، حين كان هؤلاء لا يزالون أميين لا يقرأون ولا يكتبون، وأفضال اللبنانيين والفلسطينيين عليهم كثيرة، فقد علّم خيرة المدرسين اللبنانيين ابناء السعودية وقطر والكويت والإمارات وغيرهم. كما قام المهندسون والأيدي العاملة الماهرة اللبنانية ببناء مدنهم وقراهم. ولا يزال اللبنانيون حتى اليوم يقومون بدور ريادي وحضاري وإنساني في كافة دول الخليج. فهل يحق لهؤلاء ان يتكبّروا ويتجبّروا على الانسان العربي اللبناني المبدع الخلّاق، أم ان أحقادهم هي التي أوصلتهم إلى هذا المستنقع الآسن؟! فلبنان لم يطلب منكم منحًا لجيشه أو قواه الأمنية، وإنما انتم الذين أعلنتم في "مملكة الخير" عن هذه المنح التي سحبتموها الآن. وسيبقى لبنان يشرّفكم ويشرّف هذه الأمة بثلاثيته الذهبية: الشعب والمقاومة والجيش. فهناك من هو مستعد لتقديم الدعم لهذا البلد الصامد بلا مقابل وبلا شروط. اما مالكم الحرام فلا اظن ان لبنان بحاجة اليه. فاللبناني ناجح أينما ذهب، في أمريكا الجنوبية وإفريقيا، وفي كل بقاع الأرض، وأبناؤه مفخرة تعتز بهم الأمة، وتعتز بهم الإنسانية المتنورة والمتحضرة. ففي اكثر من بلد امريكي لاتيني وصل الى رئاسة الدولة رؤساء من اصل لبناني. اما انتم فقد غمرتم المنطقة والعالم بفكركم الظلامي التكفيري الوهّابي، وصدّرتم الإرهاب الذي اصبح مشكلة المشاكل في هذا العالم. وإذا اردتم افتعال ازمة من خلال معاقبة لبنان، فان الوجه الحقيقي لكم أصبح أكثر وضوحًا، بعد ان فضحتكم القناة الإسرائيلية العاشرة، حين تحدثت عن وفد إسرائيلي يمثِّل حكومة نتنياهو، زار الرياض قبل عدة اسابيع. وظهر وجهكم القبيح، حين صافح أميركم، تركي الفيصل، وزير الحرب الإسرائيلي يعالون، مؤخرا في فيينا. فعن اية عروبة وإجماع عربي تتحدثون؟! أليست فلسطين بحاجة الى هذا الاجماع المزعوم الذي تتحدثون عنه؟!
أخيرًا وليس آخرًا، ربما أزعجكم ان القضاء اللبناني لا يزال يحتجز احد أمرائكم، الذي اعتقل في مطار بيروت وهو يهرّب المخدرات. فـ"ابن الأكرمين" هذا لا يزال يخضع للإجراءات القضائية اللبنانية كغيره من مرتكبي المخالفات الكبيرة. وهل بعد كل هذا لكم حق بالتطاول على لبنان العربي الكبير؟! عاش لبنان...!!
