روائح العفونة تأتينا من صُحُفٍ واذاعات وشاشات يمتلكها أمراء الثراء في وطننا العربي.. هذه الروائح تُفسد أذهان أولادنا وأجيالنا حاضرًا ومستقبلا. كان العرب في ماضي الزمان يبعثون بأولادهم إلى البوادي ليتعلموا الشعر والفروسية.. فالشعر قوامه تهذيب الذوق ورعاية الموهبة وصيانة التاريخ واحتراف النخوة والفروسية ولأجل هذا كله رأوا فيه "ديوان العرب".
أين نحن اليوم من البوادي؟
أرجو ألا يُفهم من كلامي هذا أنني أريد عودة لحياة البوادي متخطيًا ومُغفِلا ما أتتْ به حضارة هذا الزمان من انجازات زرعت أسباب الراحة في حدائق حياتنا.. كل ما ابتغيه أن نُلقي عنّا الانشغال بأصباغ وقشور المدنية لتصبح حياتنا إيقاعًا عصريًا لما أفرزته البوادي من خير وقيم.
ماذا يُقدّم إعلامنا المرئي بالتحديد لأجيالنا؟
تحولت الأحوال وتبدلت البوادي لتفرز أمراء نفط وأمراء مال.. في هذه الإمارات تكونت فضائيات بأسماء متعددة.. أمام شاشاتها ينبهر أولادنا ببريق ولمعان مسلسلات لا تحمل أي معنى سوى سرقة أوقاتهم بشتى التفاهات.. في قلب هذه التفاهات تتبارى مطربات لسن مطربات، يرددن كلمات خاويات بأنغام تفتقر إلى النغمات من خلال اعتماد تقليعات ثيابية فيها استعراض رخيص لمفاتن أنثوية.. هكذا يبتعد أولادنا عن سمو الكلام وجميل البيان ليصبحوا منذورين للضياع. ليس على هذه الفضائيات سيّد سوى المال.. والمال يشتري كلّ شيء، ولعيبنا يغتصب اللافكرُ ممالك الفكر!!
كل يوم نشاهد التوافه ونتجرّع الغصّات لرؤية أولادنا يتعاطَون شتى أنواع التهتك والنزوات.. نتجرع كل هذا ونتأفف متقززين عاجزين عن مقارعة أصوات وسياط أهل المال المتجبرين. في عباءة كل أمير نفط يقطن ثري مهذار يتاجر بالأسلحة والنساء.. يشل فكرنا ليصعب علينا التمييز بين قامع ومقموع. ثراء الأثرياء مالكي الفضائيات يُطيح بالخطاب الإعلامي الوطني ويستبدله بالرقص والغناء وتوافه المسلسلات.. إنهم يعملون على تغييب ثقافة الوعي والنهوض لدى أولادنا وبهذا يزرعون ثقافة الغيبوبة والغياب.. يُعلّموننا أن نغني للحب في الوقت الذي لا نمارس حبًّا في حياتنا... يعلموننا أن نغني للوطن ونحن نساوم على هويته وأصالته..
ليعلمْ أصحاب الأموال المكدّسة ان اغتراب أجيالنا عن تاريخها وقيم أمتها أمر خطير يدفعنا جميعًا إلى السقوط وهذا السقوط سيقودنا إلى قنوط مزمن يوصلنا إلى الانهيار وطنًا ومواطنين.
