(إلى روح راشيل كوري)
حين تستفيق الرّوح المجروحة على صوت صكّ الحديد المجنزر، وتخرج من الحطام والرّكام والزّمان، موجّهة نظرة تأمل لماض ٍموجع، لا تتكتم فيه الدّموع، ولا الأنّات.. كم يغدو الماضي جمرًا من لوعة الاعتصار الشّديد والبغيض..
راشيل.. هل تسمعينني؟ قبل ساعات، قبل أيّام.. قدّمت المحكمة المركزية في حيفا لائحة اتهام ضدّك، تهمتُكِ هي موتكِ، أنتِ مَن سوّلتِ للحديد أن يعتصر جسدكِ المتصبّب كرامة وأنفة وكبرياء.. أنتِ مَن أخطأتِ التّقدير وعجّلتِ نصيبَ العصافير في غزّة..
أنتِ مَنْ وقفتِ عامدة ًمتعمّدة ً، تلوّحين بأعلام الحقّ الإنسانيّ وبراكين الثورة على الطغيان، هذه تهمتك وهذا نصيبك في حضرة جهاز القضاء و"العدالة" الإسرائيلية. اليوم يذكّرنا بالبارحة، كيف كيف؟ تنقلب الدّواليب وتدور الدّوائر، كيفَ للباطل أن يقضّ مضاجع الحقّ، ويذود عن عرين ٍ لم تطأه بيئته من قبل! كيف كيف؟
تموتُ الضّحية مكسورة الخاطر متلوّنة بأطياف السّموات وتتبدّل الأدوار بين سربِ حمام ٍألوهيّ، وبندقية صيّادٍ آدميّ وحشيّ؟
وبأيّ ذنبٍ تُقتلُ الشّرعيّة؟ يسألُ المتأمّل المتألّم!
بذنبِ الرّسالةِ والحقدِ الغثّ ونفسية "الهولوكوست"..
أينَ مسؤولية "الضحايا"؟ يتساءل القاضي الإسرائيلي..
مسؤولية الضّحية أن تموتَ قبلَ أن يُقرَّرَ لها ذلك، تلك المسؤولية التي يقصدها القاضي بالتّأكيد!
- بين القانوني والأخلاقي
لم أدرسْ قانونًا واحدًا في حياتي، ولم أطلع أبدا على مدارس القضاء العالمية والمحلية، علمًا ويقنًا منّي أنني أستطيعُ الدّفاع عن قضيتي وانتصارها بعدالتها ونبلها وسلميتها الضاربة جذورها في الحقّ الإنسانيّ الأول: العيش والحياة والكرامة..
تختلط الأمور والتداعيات والحيثيات عليّ، وكما أعلم في إسرائيل القانونية والحقوقية حتّى النخاع، يكون الإنسان متهمًّا حتى تثبت إدانته، كم هي موجعة هذه الجملة والتي تنطلق من النزعات الشريرة والشحنات السلبية في تصنيف الإنسان على انّه مخلوق شرير حتّى يتأكد عكس ذلك..
وأمّا في العالم المتطوّر وفي المدارس التربوية، في فنلندا نموذجًا، الإيمان منطلقٌ من قاعدة الخير عند الإنسان، كأنّ بهم يقولون ويربّون ذواتهم بأن تعالوْا نحيا في سبيل الحقّ، ومن يشذ ّعن القاعدة – الحقّ- ليس له مكان بيننا "وهو منبوذ ٌومحتقرُ".. أمّا ما تستوعبه تجربتي الإنسانية المتواضعة بأنّه حان للقضاء أن يعلنها على رؤوس الأشهاد:
المتهمّ بريءٌ أو تثبت إدانته..
تلك هي الفضيلة..
- الضحيّة - الجلاّد ومعضلة البيضة – الدجاجة
جسدُ راشيل لم يحتمل قوّة المجنزرات الإسرائيلية، ولكنّ روحَها تؤكّد، أنتم أيّها الإسرائيليون ضحيّة جلاّد نازيّ لا زال يدفع ثمن شرّه إلى يومنا هذا، ولن يُبرَّأ من تهمة القتل وحرب الإبادة الجماعية وأفران الغاز والمحارق الجماعية، أما أنا وعصافيرُ غزّة وبلابل الخليل ودوريّ القدس.. نحن.. ضحّية الضّحيّة..
هل فهمتم؟
من الصعب استيعاب غبن تاريخيّ ومجازر مضاعفة.. ما ذنبي – تتساءل راشيل!
ومَن أكثر منكم كان عليه أن يفهم ألم الحصار وزغرودة أمّ الشهيد؟
كم نحن حمقى وكم أنتم مغفلون!
- من أين يبدأ التّاريخ؟
من زمن انبلاج فراخ الحمام، رافعة رؤوسها نحو المعنى ونحو السؤال.. تلكَ قدرة الاحتمال في فرض واقع يتلاشى لسخرية الضحية من جلاّدها..
تغضبُ راشيل ولا تغضب.. يُحرجُها اعتذار الجلاّد إن اعتذر.. ستغفرُ كانت، فتلكَ عقيدتُها وتلك روحها السّموح..
ولكنّ وقاحة الجلاّد والاحتلال تطاولت على كلّ حرج ٍوكلّ احتمال ٍفي رفع كلفة الذّنب وطأطأة الرؤوس كبرياءً وحزنًا على الجلاّد..
من أين يبدأ التاريخ؟
من لحظة انعتاق الضحية والجلاد معا كي ينتهي التّاريخ.
- أعلنها – بدون خوف ولا وجل..
هي الحياة موقفُ الفضيلة أمام الرّذيلة، وأمام ترصيع ونقش الزّيف على جدران الجغرافيا، وبثّ السّموم في هواء الكرامة الإنسانية..
تلك كانت تهمة راشيل. لم تزعجني أعذار المحكمة- القضاء و"العدالة" الإسرائيلية، المدافع الأول والمشرعن الأول للاحتلال والحصار وجدار الفصل العنصري. ولم تُزعجني عنصرية القضاة والمدافعين عن الجنود، مَن أغضبني وأيقظ عاصفة الجنون هم أصحاب القضية وأهلها البيولجيون.. "عرب...... يك"
فبحقّ السّماء ومَن براها، كيف لي الاعتراف بعروبة الخصيتين وملوك "العيس" لا يعرفون مَن تكون راشيل، كيف كيف، تموت الكرامة ويحيا الدولار؟
أمِن جهة الجنوب سينفكّ الحصار؟ سؤال يراودني.. أم هي الهجرة إلى الشّمال ستحمي راشيل والحقّ الفلسطينيّ؟.. سأعلنُ شيعيتي "ولينفلقْ مَن ينفلقْ من منافقي الله"، سأعلنُ بوذيتي إذا كانت الكرامة عند شعب بوذا.. سأعلن يساريتي الكفاحية مع يهود "الخيم" إذا خرجوا ليقتلوا الفقر لو كانَ رجلا ً.. سأعلن مسيحيتي كي أمشي على البحيرة وأحرّر شعبي.. سأعلن كرامتي وإنسانيتي على رؤوس الأشهاد، ولكن بالتّأكيد لن يكون قرآني هو قرآن عائشة..
قرآني هو كلّ دوائر انتمائي للحقّ، قرآني هو ما كُتبَ بدم راشيل على رأس الصفحة:
كم يتعذّب الإنسان دفاعًا عن حقّ الطفل في الحياة، حين تنهار الحدود وتموت الجغرافيا..
تلكَ سنّتي وهدايتي وشعيتي ومسيحيتي وربّ الفصول..
