هل كنا بحاجة الى دليل آخر حتى يغضب الضمير الانساني، ويستيقظ النائمون التائهون، للدلالة على ان المستوطنين الاستعماريين فوق الأرض الفلسطينية المحتلة، بممارساتهم الشريرة وعدوانيتهم الحاقدة، قد وصلوا الى الدرك الأسفل بحيث يصعب أن نجد مثيلًا لهم عبر كل فترات التاريخ المظلمة. فهؤلاء المدعومون من سلطات الاحتلال وحكومة الاحتلال يمارسون اسوأ انواع الارهاب بحق الشعب الفلسطيني المظلوم، تحت سمع وبصر وتشجيع جيش الاحتلال، الذي لولاه لما تجرأوا على البقاء يومًا واحدًا فوق الارض المحتلة.
ونحن هنا لسنا بصدد تعداد ممارساتهم اليومية كعصابات منظمة مدعومة، لان ذلك يحتاج الى مجلدات كثيرة، والشعب الفلسطيني ذاق ويلات هذه الممارسات على جلده، ولن ينسى او يغير او يسامح في يوم من الأيام على هذه الجرائم البشعة. فهذه العصابات، المتمادية والمعربدة، لم تكتف قبل بضعة أشهر بحرق عائلة دوابشة وهي نائمة في بيتها. أحرقوا الأم والأب والإبن أحياء. وقبل ذلك خطفوا الطفل محمد ابو خضير، واحرقوه حيًا، لإشباع غريزتهم الدموية للرقص على الدماء في اعراس الدم. لهذا لم يكن مفاجئًا لنا، الاسبوع الماضي، ذلك الفيديو الذي ظهر فيه مئات المستوطنين في احدى قاعات الأعراس في القدس، وفي هيجان بوهيمي وحشي، يحملون بنادقهم، وخناجر الحقد في أيديهم يسددونها الى صورة ضحاياهم من عائلة دوابشة. كأنهم يقولون: لم نكتفِ بحرق العائلة، وسنلاحقها في قبرها حتى يشفوا غليلهم المتوحش الاجرامي. وهؤلاء الذين رقصوا في "عرس الدم" لم يكونوا افرادًا قلائل حتى يقال ان هناك فرقًا بينهم وبين باقي المستوطنين. فقد كانوا بالمئات يرقصون، وكان مئات آخرون، وربما آلاف مؤلفة، يتمنون ان يكونوا في عرس الدم هذا.
ولأن المنظر الذي تتقزز منه كل الأبدان الآدمية لا يطاق ولا يهضم، ولأنه شهادة حية على سلوك هذا الإستيطان الصهيوني، فقد سارع رئيس الحكومة وزعماء الاحزاب "للاستنكار على عينك يا تاجر"، علمًا بان حكومة الاحتلال وسلطات الاحتلال هي المسؤولة عن خلق ووجود وتغذية هذا السرطان الإجرامي وهذا الطاعون الأسود. فهؤلاء ليسوا ظاهرة عابرة في المجتمع الإسرائيلي، وإنما هم نتاج طبيعي لهذا الاحتلال ولهذا الكابوس الرابض على صدور الفلسطينيين. ولن يستطيع احد في المؤسسة الاسرائيلية ان يتهرب من المسؤولية، فهذا غرسهم وهذا هي ثمرات هذا الغرس. فهل يحق لحكومة اليمين المتطرف في اسرائيل ان تتحدث بعد اليوم عن الارهاب ومحاربة الارهاب، وابواق الارهاب يعششون في أحضانهم وفي كنفهم وتحت رعايتهم وحمايتهم؟! فالوزير الاسرائيلي الصاعد يسرائيل كاتس يقول في آخر تغريدة له: "لا يوجد شيء اسمه فلسطين، وعلى الفلسطينيين ان يذهبوا الى الاردن والعراق والسعودية، وغيرها من البلاد العربية". أليست هذه دعوة صريحة وواضحة الى الترانسفير، والى هدر دم الفلسطينيين، والى نزعة عنصرية تلازم هؤلاء الحكام لطرد الفلسطينيين من وطنهم؟!
وبعد كل ما نراه ونسمعه، هل هناك من شك لدى اي فلسطيني بان حكومة اسرائيل لا تريد ولا ترغب، ولا يمكن أن تسير في أي مسار ممكن ان يؤدي الى سلام يضمن الحقوق الفلسطينية في حدها الأدنى؟! وهل لا يزال هناك من يراهن على وجود شريك اسرائيلي يمكن التفاوض معه؟! إن الامور واضحة تمامًا، وقد أصبح لزاما على أي فلسطيني مهما كانت مشاربه أو افكاره أن يعيد النظر في التعاطي مع القضية الفلسطينية وموضوع الصراع، وان يبحث عن بدائل اخرى. فنحن نملك اوراقًا قوية وضاغطة، ويجب استخدامها بالشكل الصحيح، فالفرصة مهيأة تمامًا لكسب الرأي العام العالمي، الذي ضاق ذرعًا بحكومة نتنياهو لحشرها في الزاوية. وهي مقدمة ضرورية لإدارة الصراع بشكل أنجع، وأكثر فاعلية. وكل من لا يجد في نفسه القدرة على العمل في هذا الاتجاه فعليه ان يتنحى، فليس امام شعبنا مجال للعبث أكثر، لأن كل شيء آخر مضيعة للوقت وخسارة فادحة لنضال شعبنا. فالذين قرروا مقاطعة بضائع ومنتجات المستوطنات الكولونيالية كثيرون، ونحن اليوم امام فرصة نادرة لتعميق هذا التوجه، لأنه وسيلة مؤثرة، وقيمة مضافة يجب اغتنامها..!
* نادية مراد تصرخ: "وامعتصماه" *
اذا كنا قد تحدثنا عن عصابات المستوطنين الراقصين على الدماء في عرس الدم، فإن هناك عصابات شقيقة لهم تمارس جرائمها ووحشيتها، بحق الأبرياء باسم الإسلام، ألا وهي عصابات داعش، هذا الطاعون الأسود الذي ابتليت به منطقتنا العربية تحت ما يسمى "الربيع العربي". فهؤلاء الوحوش، الذين تعجز اللغة عن اعطائهم الوصف الذي يليق بهم، مارسوا ويمارسون كل انواع القتل والذبح والفجور في كل من سوريا والعراق وغيرهما، وخاصة ضد أبناء الاقليات التي عاشت بيننا لآلاف السنين كريمة محترمة. وقد أثرت نسيجنا الاجتماعي بفسيفساء التنوع الثقافي، الديني والإثني، فكان لهم دور بارز في بناء هذه البلدان. وأكثر من عانوا من هذا الطاعون الأسود كان الاشوريون والكلدان، وباقي مسيحيي المشرق، وكذلك الكرد والايزيديون.
وحين دخل الدواعش منطقة سنجار، في محافظة نينوى في شمال العراق، عمدوا الى قتل ابناء الطائفة الايزيدية، التي تتجذر هناك منذ ثلاثة آلاف سنة. لقد قتلوا الرجال والأطفال، وسبوا النساء والبنات. وكانت الفتاة نادية مراد واحدة من هؤلاء الفتيات، التي سبوها ونقلوها من سنجار الى الموصل، حيث تعرضت لهتك عرضها والاغتصاب من قبل هؤلاء الوحوش رغم توسلاتها لهم. وأخيرًا استطاعت هذه الفتاة، العظيمة الشريفة والشجاعة، ان تهرب من قبضة الوحوش التي جاءت لإشباع غرائزها الجنسية. ووصلت الى القاهرة، حيث فتحت لها مصر ذراعيها. ووقفت هذه الفتاة الشجاعة، ولمدة تزيد عن نصف ساعة، امام طلبة جامعة القاهرة، تخاطبهم وتشرح لهم وللأمة العربية والإسلامية تجربتها المروعة مع هؤلاء الوحوش.
لقد استمعت الى كلمتها بالكامل، وقد أٌذيعت على إحدى الفضائيات المصرية، وهي تخاطب المسلمين في كل مكان: "أين انتم؟! فالاسلام لا يقبل هذا السلوك". لقد صرخت وبأعلى صوت، مستنجدة بنخوة المعتصم، لعلها تراه بين صفوف هذه الأمة. قالت وبصوت متهدج: لماذا لا تخرج مظاهرات مليونية في العالم الاسلامي لتستنكر وترفض ما يقوم به الدواعش ضد أبناء شعبها وغيرهم؟! ونادية مراد، أختنا العزيزة، على حق فيما ذهبت إليه. فالأزهر الشريف، وكافة المؤسسات الدينية في كل أرجاء العالم الاسلامي، مطالبة اليوم ان تتخذ موقفًا صريحا وواضحا. فلا يكفي الشجب والاستنكار، فهل يدعو الأزهر مثلًا ان تخصص احدى خطب الجمعة في مساجد العالم الاسلامي للتنديد بهذه الافعال المشينة والمسيئة للإسلام حتى نستحق جدارة الحياة..؟!
