خواطر على هامش العدوان على غزة...

single

حقيقة لقد تعبت، تعبت من رؤية جثث أطفال غزة مشوهة ومحروقة، تعبت من كل صور ومشاهد الحرب التي تعجز الكلمات عن وصف مدى وحشيتها وفظاعتها... قبل أن أخط هذه الكلمات، كتبت ومحوت عشرات الاسطر، لم أشعر أن الكلمات ستنصف مع مآسي أهل غزة وتصف الدمار الذي خلفه الوحش الصهيوني، لم أعد أستطيع مواجهة فظاعة هذه المشاهد الا بالصمت والبكاء - بالصمت لان لساني عقد، والبكاء من الشعور بالعجز وقلة الحيلة، أن هذه الصور عبء على إنسانيتنا جميعا، وتضربنا في الصميم.
أتساءل: الطيار الإسرائيلي - الذي يحلق فوق سماء غزة ويقصف بيوتها بالصواريخ – هل يرى هذه الصور مثلي؟ وان رآها هل ستحرك فيه مشاعر بالذنب ويؤنبه ضميره على ما فعلت يداه؟ أم أنه سيضحك وسيستهتر بأشلاء الاطفال ويرفع كأس الدم ويصرخ – لصحة أهل غزة، وقهقهة ضحكته ستملأ المكان...
قبل بضع سنوات، كنت أعمل في أحد مكاتب المحاماة في الشمال وكان يعمل معي محام يهودي اتضح فيما بعد أنه كان طيارا في جيش الاحتلال، لقد كانت صورته مغايرة تماما عن ما كنت أتصوره لطياري جيش الاحتلال الذين يقتلون أطفال فلسطين، لقد كان إنسانا محبّا للناس، متواضعًا، وكان له ابنة لطالما كان يحدثنا عنها وعن صعوبة فراقها لطلاقه من أمها، والاهم أنه لم يكن يوما إنسانا عنصريا ولم تكن له أفكار يمينية أو متطرفة، كان همه الاول والاخير كيف يعيش، تماما مثلنا، وفعلا هذا الانسان جعلني أدخل في دوامة، أسأل نفسي: هو مثلنا إذا، لديه قلب محب، ويشعر بالعطف تجاه ابنته ولا يحتمل فراقها، فكيف إذا ممكن لهذا الشخص أن يقترف هذه الجرائم البشعة؟ كيف له أن يقتل طفلا ولا ينفطر قلبه ولا يتخيل ابنته مكان هذا الطفل؟ متى وكيف استطاع أن يتخلى عن إنسانيته ويقتل بوحشية أطفالا عزلا في مثل عمر ابنته؟ أم أنه لم يفكر قط بنتائج أفعاله وبالنسبة اليه كان الامر عبارة عن تنفيذ أوامر لا أكثر؟
جميعنا بات يعلم وهذا ليس بسر، أن الشعب اليهودي منذ عام 1948 وحتى اليوم يمر في عملية غسل دماغ، فكل خطوة تريد إسرائيل أن تتخذها من حرب على غزة، أو عملية اجتياح جديدة للضفة، أو أي انتهاك لحقوق الشعب الفلسطيني - يطلونها بطلاء قومي جميل وكأن هذه الخطوة هي في مصلحة الشعب اليهودي – والناس يقتنعون بها، فاليهود يظنون فعلا حتى اليوم أنهم في خطر من اجتياح الدول العربية لهم أي لحظة لتحرير فلسطين! وهم فعلا يعتقدون أن تواجد إسرائيل في الضفة حتى اليوم وحصارها لقطاع غزة وشن الهجمات عليه هي في مصلحتهم! هم لا يعون أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تفكر في مصلحة شعبها منذ أن بدأت تنفق ملايين الشواقل لتحلق طائراتها فوق سماء غزة وتقتل أطفالها بينما يعاني الشعب الإسرائيلي من نسبة بطالة وفقر عاليين وغلاء معيشة لا يوصف - ان هذا التقسيم لموارد الدولة بحيث يفضل إنفاق أموال الشعب على الحرب بينما يموت الشعب من الجوع هو أكبر دليل على أن إسرائيل لا تهمها مصلحة شعبها، لذلك على المجتمع الإسرائيلي أن يصحو من غيبوبته ويفهم أن الاحتلال لا يعود عليهم بأي فائدة، انه يخدم موازين القوة في المنطقة ومصالح رؤوس الاموال التي تحرك هذه الحرب لا غير، والثمن يدفعه الطرفان – الطرف الفلسطيني يدفع الثمن بالدم والمذلة والحصار، والطرف الإسرائيلي يدفع الثمن بالفقر والبطالة، يجب أن يفهم الإسرائيليون أن الطرفين يريدان العيش بسلام، ولكن بسلام حقيقي وليس سلامًا مدنسًا، حيث يحق للشعب الفلسطيني إقامة دولته المتواصلة المستقلة وعاصمتها القدس، ويحق لهم بناء اقتصادهم الخاص غير المشروط بـ"المذلات" الدولية، ويحق لهم بناء مؤسسات المجتمع المدني الخاصة بهم، وأن يكون لهم بالفعل وزارة داخلية وخارجية وأمن، والسيطرة على حدودهم ومعابرهم، وكيان دولي معترف به، يحق لهم بناء دولتهم الخاصة ليتشاوروا فيها ويختلفوا ويصلوا في النهاية الى اتفاق على ما يريدون – باختصار السلام هو حق الفلسطينيين برعاية أمورهم الداخلية والخارجية كأي دولة أخرى بدون أي تدخل "اوسلوي" من إسرائيل.
إن أردنا أن نساهم في المقاومة مع أهل غزة ضد العدوان الصهيوني، فعلينا أن نعمل جاهدين على رفع الوعي لجرائم الحرب على غزة وبايصال صوت الفلسطينيين للمجتمع الإسرائيلي، علينا أن نجعلهم يرون الطرف الآخر ومعاناته، ليروا أن من يقتلون ليسوا بإرهابيين كما تدعي إسرائيل، انما أطفالا ونساء ومدنيين عزلا لا يهمهم سوى الحياة بكرامة وحرية، همهم هو العيش في وطن حر يضمن لهم ولاولادهم حياة كريمة - وهو ما يحاول الاعلام الإسرائيلي اخفاءه عن الإسرائيليين.
إن صور اطفال غزة لا يمكن أن لا تحرك فيهم ساكنا، لا يمكن لبشر تجاهل الجرائم هذه، لا يمكن أن لا تفتح أعينهم ليعوا من هو فعلا عدوهم الحقيقي، من هو عدو حياتهم بسلام، من هو عدو الحياة الكريمة التي يحلمون بها، من هو السبب في أن معاشهم لا يكفيهم حتى آخر الشهر، من هو السبب في البطالة والفقر... لذلك علينا أن ننشر هذه الصور في أماكن تواجدهم، على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم، وبهذا ممكن أن نكون ساهمنا ولو قليلا بإزاحة الغشاوة عن أعينهم ليروا الحقيقة، وان أبصروها فأنا على يقين أن الكثير منهم سيغيرون موقفهم من الحرب على غزة ومن الاحتلال بشكل عام، عندما يفهمون أننا جميعا في النهاية أخوة في البشرية، وممكن أن نعيش معًا بمحبة وسلام وأمان دون أن نؤذي بعضنا البعض، وأن الاحتلال لا يخدم مصالحنا كبشر - عندها من الممكن أن تزداد نسبة رافضي الجيش اليهود لاسباب ضميرية، وممكن أن يتمرد جنود في الجيش الإسرائيلي ويتركوا قواعدهم لرفضهم المشاركة في جرائم الحرب، ويتشكل ضغط على الحكومة الإسرائيلية للتوصل الى معاهدة سلام لا تنتقص من حق الفلسطينيين، ويعم السلام عندما تقتنع الشعوب أن لا حل غير السلام - لربما هذه أحلام بعيدة المدى ولكن مشوار الالف ميل يبدأ بخطوة - فلنعمل معًا على البدء بها.
قد يهمّكم أيضا..
featured

المذبحة .. والمتواطئون!

featured

الإعلام بوصفه شريكاً في المذبحة..

featured

من التنقيب في اوروبا حتى انفاق غزة

featured

تمرين طواريء وكارثة متوقعة

featured

" احتلالهم مصيبتهم"

featured

نتنياهو وواشنطن وأنظمتها العربية، معا!

featured

لن تحرقوا الياسمين ما دمنا أحياء

featured

رؤساء برائحة النفتالين