سنة ضوئيّة كاملة كانت تفصلُ بينـي وبينكِ
وكنـتِ بعيدة!
فهل ونحنُ نسافرُ معا بين هذه المسافات
سنرى أمامنا ضوءَ نفقِ المستقبل المشرق؟
أم انّ السنوات التي مرّت بنا
وشـُعلات السنوات الضوئيّة التي قطعناها معا صارت تتلألأ وراءَنا؟
وكيف يتنـقّلُ الإنسان بين تلك المسافات
ويسافر فيها أو هي فيه ولا يتغيّر أو ينكسر أو يتهوّر؟
ولكنّ الضوءَ الكامن في شعلة حبّ عميق وبولعة قلب نابض تظلّ ملتهبة
مثلما شعلةُ الأولمبيّادة التي تظلّ في كأسها مضيئة
وحتّى بعدما تتنقّل الشُعلة وسـطَ عواصف وبحار عبر القارات
وهي محمولة بيد عـدّاءة المسافات البعيدة تبقى متأجّجة
فالشعلة التي أطلق شرارتها الأولى اليونانيون في قديم الزمان على الأوليمبوس
وهم يركضون في سباقِ الماراتون بقيت مشتعلة هي وفلسفتهم حتى هذا الزمان
فلماذا ستستطيعُ بضع سنواتٍ ضوئيّة
إطفاءَ شعلة حب حقيقيّة؟
هل يا تُرى في اليونان القديمة فكّر سقراط في كل الأمور الفلسفيّة عن شعلة حبّ دائمة
عندما شربَ كأسَ السمّ وتجرّعه حتى النهاية
وهل تأمّل سقراط في معاني شعلة عشقه للفلسفة** اليونانيّة
وهو يرفض تنفيذ أمر المحكمة*** لأنّ يتنكّر لفلسفته وأن يخمدَ شعلتـَها حتى النهاية؟
وهل تساءل سقراط في مخيّلته عن معنى حياتهِ
وهو يبتسم محتضرا متألما أمام محكمة الجهلة؟
وهل يا تُرى ابتسم سقراط ساخرا شامتا من حكّامه وسنواتٌ من ضوء تفصلُ بينهُ وبينهم،
عندما لم يكـُن يدري سقراط ولا حكّامه في ذاك الزمان ما معنى السنة الضوئية؟
***
فهذه هي إذن معنى الفلسفة من وراء شعلة حبّ حقيّقية
بين رجل وامرأة، بين أم وطفلـِها وبين أفلاطون تلميذ المعلّم وفلسفته اليونانيّة
إنّها الشُعلة الأوليمبية التي التهبت على جبل الأوليمبوس لتبقى مضيئــةً أبديّة
وذلكَ رُغم السنوات التي مرّت زمنيّة أم ضوئيّة!
سنة ضوئيّة كاملة كانت تفصلُ بينـَكِ وبيني حبيبتي
ولكنّك أصبحتِ الآنَ قريـبة!
//إشارات لا بدّ منها:
1. *السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها شعاع من الضوء في مدّة سنة (365 يوما).
وهي وحدة قياس مسافات كبيرة تـُقاس بها عادة الأبعاد بين الكواكب البعيدة وبين الشموس والمجرّات.
2. ** معنى كلمة فلسفة: Philo Sophy أي حبّ الحكمة.
3. *** محكمة الفيلسوف سقراط الشهيرة: في الفترة التاريخيّة التي تلت هزيمة أثينا على يد إسبارطة، وخروجها منهكة من حربها، أخذ سقراط يهاجم بشدّة الساسة اليونانيين ويتهم قيادتهم الفاشلة وديمقراطيّتهم الفارغة، التي تعطي الحق للأقوياء والأغنياء فقط في اتخاذ القرار وتـُقصي الفقراء والمساكين والعبيد عنها، أو (might is right) صاحب القوّة هو الذي على حق دائما، فاتهمهم كلهم بهزيمة أثينا. وحثّ أبناء شعبه على تطبيق العدالة الاجتماعية والسياسيّة. فحبسه حكّام أثينا وأقاموا له محكمة صوريّة، وأدانوه بتهمة – "تسميم عقول الشباب والشابات بمفهوم العدالة" وحكموا عليه أن يشربَ السمّ (ربّما لأنة سمّم عقول الشباب في أثينا).
وعلى الرغم أنّ تلاميذه حثّوه مرارا وحاولوا أن يساعدوه بالهرب من السجن قبل تنفيذ قرار الحكم ليغادر أثينا، إلا أنه رفضَ أن يهرب وأصرّ أن يشرب السم. وسمعوه (وفق شهادة تلميذه كريتو) يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: " أسكليبويس لا تنسي أن تسدّدي دينك لي". بما معناه أن على إلهة الطبّ والشفاء عند اليونان القدماء أسكليبويس، أن تعطيه دواءه الأخير، أي أنّ الموت هو العلاج الأخير له وحريّة الروح عن الجسد.
وما زالت طريقة سقراط الفلسفيّة في التحقيق المستمر بواسطة طرح أسئلة متتالية ومن ثمّ دحض الإجابات عليها، تدرّس في الجامعات في موضوع الفلسفة!
(حيفا)
