من "روتشيلد" إلى العراقيب ومجد الكروم!

single

"طويلٌ كالمدى نفسي
وأتقنُ حرفة النمل
لأنّ وظيفة التاريخ
أن يمشي
كما نُملي"

(توفيق زيّاد)

 

تساءل كثيرون، وراهن آخرون، على جدوى الاحتجاج، وعلى جدوى مشاركة العرب واضطلاعهم بدور فيه. "في النهاية سيحلون مشاكلهم على حسابنا"، قالوا بنزق. والحق الحق أقول لكم، إنّ مثل هذه التساؤلات ساورتني في بداية الأمر، ربما لأنّنا اعتدنا أن نكون خارج الهمّ العام. والحق الحق أقول لكم إنّ الطريق إلى ما تم إنجازه، حتى الآن، لم تكن سهلة، لا جماهيريًا ومهنيًا.
فأن تقرأ في التقرير التفصيلي لطاقم الإسكان والأراضي والتخطيط (مرحلي، لم يُنشر بعد) أنّ "على التغيير الحقيقي أن يعترف بالاحتياجات المختلفة لتخصيص الأراضي بما يلائم احتياجات تطوّر بلدات الضواحي والبلدات العربية"، ليس مفهومًا ضمنًا. أو أنه "يتوجب الانتقال من التمييز في التخصيص الأرض إلى التطوير المصحِّح"، أو "الاعتراف بالبلدات العربية غير المعترف بها في النقب". أن تقرأ أنّ الحق في المسكن يشمل الحق في عدم هدم بيت المواطن وحقه في اختيار مكان السكن دون تمييز وعلى قدم المساواة، كلها أمور ليست مفهومة ضمنًا. للتذكير: قبل بضعة شهور أقرّ الكنيست "قانون البلدات الجماهيرية"، الأبارتهايدي بامتياز. قبل أسبوع أقرّت الحكومة "مخطط برافر"، الذي يعني محو عشرات القرى العربية وتهجير عشرات آلاف المواطنين العرب في النقب.
لقد بات واضحًا، أمام معظم المحتجين وقياداتهم ومختصّيهم، أنّ العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتجاوز مبدأ المساواة. وبات واضحًا أنّ ما سيتمخض عن هذا النضال لا يمكنه تجاهل الجماهير العربية وقضاياها اليومية الحارقة، لكن أيضًا لا يمكنه تجاهل ذلك التقاطع الحتمي، الجدلي، بين القومي واليومي.
وقس على ذلك، في التقرير التفصيلي لطاقم التشغيل (مرحلي، منشور في موقع حركة الاحتجاج) أنه "يتوجب استثمار موارد خاصة في الدمج المتساوي للفئات الأكثر إقصاءً عن سوق العمل في إسرائيل، وبضمنهم العاملون العرب، وخصوصًا النساء العربيات...". وحتى حين نتحدّث عن توصيات "كونية"، كوجوب رفع الحد الأدنى للأجور، وضمان التقاعد لكل عامل/ة، وتقليص التشغيل بواسطة شركات القوى العاملة، أو ضمان التعليم المجاني في مرحلة الطفولة المبكرة وتقليص التناسب بين عدد المعلمين والطلاب، فسنجد أنّ أي تغيير نحو نظام اجتماعي-اقتصادي أكثر عدالةً هو، بالضرورة، تغيير يصبّ في مصلحة جماهيرنا، العاملة والكادحة بسوادها الأعظم، تلك التي تتصدّر قوائم الفقر والبطالة وتتذيّل قوائم التعمير والتعليم.
وكذلك الأمر في مجال الصحة، فعلاوةً على الدعوة إلى وضع برنامج لتقليص الفجوات الصحية يأخذ بالحسبان المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وعلاوةً على توسيع سلة الأدوية وتخفيف الأعباء الاقتصادية المقرونة اليوم بالخدمات الصحية والأدوية، يتداول المختصون العرب واليهود في هذه الأيام في كيفية ضمان ملاءمة الخدمات الصحية للجمهور العربي وتوسيع مناليتها، بما في هذا ضرورة إقامة مستشفى حكومي في إحدى المدن العربية.
في مواجهة حكومة وطبقة حاكمة لا تعرف غير لغة التحريض والإقصاء واشتراط الحقوق بـ"الولاء"، تتولّد من هذا المخاض، من رحم هذا النضال المشترك، رويدًا رويدًا، لغة جديدة: عدالة، مساواة، وديمقراطية تشاركية. صحيحٌ أنّها ما زالت، في هذه المرحلة، كلمات في تقارير. وصحيحٌ أنّ الطريق إلى تحقيقها أشبه بالماراثون منها بالوثبة أو الهبة أو الدبة، التي يتقنها البعض. وصحيح أن منسوب الأمل قد ينحسر أمام محيط اليأس، الذي يؤدلجه ويقتات عليه البعض. ولكن – تبًا - لماذا وُجدت السياسة؟!

 

رابط: من المظاهرة العربية اليهودية أمس في تل أبيب ضد مخطط "برافر"

قد يهمّكم أيضا..
featured

سيد الشام يطل من موسكو في زمن الحرب..!

featured

ألتواصل والمواصلة والوصول والوصال

featured

السعودية لم تكن يوماً عدواً لإسرائيل

featured

إسرائيل ما بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة

featured

مرثية لخرافة الرأسمالية

featured

ما يحدد موقف الولايات المتحدة الاستعمارية وحلفائها، مصالحهم الاستراتيحية يا سيادة الوزير النبيه...

featured

رفيق الدرب الإعلامي النقابي عاطف سعد رحلت عنّا بدون إنذار