مع نشر هذه المقالة الأسبوعية، تكون الانتخابات البرلمانية للكنيست التاسعة عشرة قد انتهت وبدأ التحضير للكنيست العشرين، إذ وضعت الحرب الحزبية والسياسية والتنافسية أوزارها ما بين النجاح وجني المكاسب والفوز بتأليف الحكومة القادمة، وبين الفشل والإحباط والتقهقر الحزبي والبرلماني والتمثيلي، في الوقت الذي عاد الكثير من القوى والفئات والأحزاب إلى لملمة نفسها والعودة إلى حجمها الطبيعي. في حين يبحث البعض عن مصالحه الحزبية سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي الفئوي وحصته من الكعكة، والبعض ينصرف لينام نومة أهل الكهف، وآخرون يسعون لتشكيل المستقبل المنظور وإعادة تشكيل الخارطة السياسية من جديد، فيما يسعى اليسار الحقيقي وعلى رأسهم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والقوى الديمقراطية والمحبة للعدل والسلام في الشارع الإسرائيلي، إلى تصعيد النضال اليومي من اجل تجسيد الشعار الإنساني المطروح وهو ان نعيش بكرامة وتحقيق ما تصبو الجماهير إليه، فيما يحاول الشيوعيون والقوى المتحالفة معهم في إطار الجبهة إلى البدء في جولة جديدة من النضال والكفاح السياسي وتشكيل الجبهة المعادية للحرب والفاشية والعنصرية التي عمّقها اليمين في الشارع الإسرائيلي خلال السنوات الأربع من حكمه. وما تفرزه الانتخابات اليوم يدل على ان المجتمع الإسرائيلي ينحدر نحو الحرب والكراهية والمزيد من التوجه نحو اليمين. وهذه المرة سيحاولون فرض الحرب ومنطق القوة والاستيطان بعدما حصلوا على الشرعية الديمقراطية، وحققوا مكاسب في الانتخابات للكنيست الـ 19 الأخيرة إذا ما نجحوا في تشكيل الحكومة القادمة. وعلى أساس ذلك سيسعى اليسار بقيادة الشيوعيين والجبهويين وكل أنصار السلام والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في إسرائيل إلى مضاعفة درجة الحرارة في عملية الكفاح اليومي وزيادة وتيرة التصدي لهذه الحكومة على الأغلب الليكودية – الليبرمانية الأكثر يمينية في الإعلان ومنذ اليوم على خوض غمار المعركة البرلمانية القادمة ودق المسمار الأول في قرع طبول ومهمة إسقاطها حتى قبل ان تتشكل. ان ما تفرزه نتائج الانتخابات الأخيرة ما بين اليمين واليمين الوسط ليس بذاك الفارق الكبير والجوهري من حيث النظرية السياسية لمستقبل المجتمع الإسرائيلي ولا لتطلعات شعبي هذه البلاد، فقد تعاقب على قيادة هذه الدولة خلال 65 سنة المنصرمة الكثير من الشخصيات والقيادات السياسية من كلا المعسكرين، اليمين ومن يقف على يمينه وكذلك اليسار الصهيوني ومن يقف على يسار صهيونيته، ولهذا لم يتجرأ احد في إخراج البلاد والمجتمع من مستنقع الحرب والاحتلال والاستيطان والعنصرية والكراهية ومد يد السلام الحقيقية إلى جيراننا وشركائنا الحقيقيين في الحياة على هذه الأرض وتحت قبة السماء، اي الشعب العربي الفلسطيني. ولهذا فالنتائج المرجوّة لا تتمثل فقط في من يشكل الحكومة القادمة، ولا إفرازات الانتخابات البرلمانية، وإنما من يتخذ القرار السياسي والمصيري الحاسم. قلنا ان إسقاط حكومة نتنياهو ليبرمان هو عمل سياسي هام وخطوة كبيرة، لكن إخراج المجتمع برمته من الكراهية والحقد السياسي والاجتماعي والأخلاقي وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والسياسية تدل على ان المجتمع ينحدر بدرجة كبيرة نحو الانتحار الذاتي. إذ بقيت الأمور معلقة في عدم وضع اليد على الجرح الذي يعاني منه المجتمع في إسرائيل، في كيفية التخلص من أسلوب العربدة السياسية والعسكرية وعبادة مبدأ القوة على الحق في التعامل مع الجيران العرب والشعب الفلسطيني بالذات، فبالرغم من نتائج الانتخابات البرلمانية ومع بداية العام الجديد، إلا انه لا يبدو في الأفق بوادر تغييرات أو إفرازات سياسية جديدة، سوى تحالفات في معظمها تؤدي إلى تقاسم الكعكة وإعادة إنتاج نمط سياسي وفكري جديد يناسب المرحلة الجديدة في جولة جديدة من الصراع.
أما الخارطة السياسية في إسرائيل، وان تغيرت أو تبدلت قبيل كل معركة انتخابية إنما ستبقى أسيرة اللعبة الديمقراطية والمصالح الحزبية لهذا السياسي وذاك القائد العسكري. وما عملية التنقل لهذا الزعيم أو ذاك واندثار هذا الحزب من الخارطة وتأسيس حزب جديد، إنما يدل على حجم التخبط الحزبي والسياسي والقطري الذي ينتاب المجتمع الإسرائيلي هذا التخبط في اللعبة السياسية والديمقراطية الاسرائيلية قد يدل على ان المجتمع الاسرائيلي مجتمع احتجاجي جماهيري ولا يؤدي إلى ثورة شعبية كما نلاحظ في العالم العربي بالرغم من الموقف من هذا الحراك الشعبي أو ذاك أو هذه القوى أو تلك.
ان إسرائيل قبل الانتخابات وبعدها، ستبقى دولة ومجتمعا يغلب عليه اليوم التوجه نحو اليمين في الممارسة والتطبيق وسن القوانين وتسريع المشروع خدمة للمؤسسة السياسية والأمنية أولا وثانيًا استرضاء لغلاة اليمين والمستوطنين في معركة الصراع مع الشعب الفلسطيني في فرض الأمر الواقع على الأرض واستباق المرحلة ما بعد الانتخابات في المسألة الدولية والأمريكية بالذات حول إمكانية البدء في المفاوضات والإقرار بضرورة وقف بناء المستوطنات كشرط لاستئناف المفاوضات المتوقفة أصلا.
في مقالة سابقة أشرنا أن حكام إسرائيل يقفون أمام مفترق طرق، ومهما تكن نتائج الانتخابات البرلمانية والتي يغلب عليها طابع اليمين واليمين الوسط الذي بدوره يعمق أزمة حكام إسرائيل، فالمجتمع الدولي القريب من الإسرائيليين، لم يعد يتحمل كل هذا الضغط السياسي بضرورة التوصل إلى سلام عادل يضمن حقوق الجميع من الفلسطينيين وعلى أساس قرارات الشرعية الدولية ويضمن الأمن والهدوء كذلك للإسرائيليين. إن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة تؤكد ان مفترق الطرق يميل نحو تجاوز الرأي العام والمجتمع الدولي والاستهانة به وبقراراته في المضي قدمًا نحو إبقاء نيران الصراع ملتهبة في الشرق الأوسط، وإبقاء إسرائيل أسيرة لسياسة القوة والاحتلال والعسكرة والاستيطان بدل شق الطريق وبناء جسور السلام والتفاهم والتعايش مع الشعب الفلسطيني الجار، وفتح آفاق جديدة من التطور والازدهار تخدم أماني وتطلعات الشعبين في بناء المستقبل الأفضل.
(كويكات/أبوسنان)
