بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل، فنّان ماهر في طمس الحقائق وفي تزييف وتجيير الوقائع، إنّه يتفوّق على أترابه في حفظ الدروس الصهيونيّة وفي تطبيقها.
بعد فشل حرب العدوان الثلاثيّ على مصر، رضخت إسرائيل لإملاءات الاستعمار الأمريكيّ أكثر من ذي قبل، بعد أن كانت رفضت طلبًا من أيزنهاور، رئيس الولايات المتحدّة الأمريكيّة ومن جون فوستر دالاس وزير خارجيّته بالتمهّل في العدوان، لأن منطقة الشرق الأوسط تستحقّ اهتماما خاصا من الإدارة الأمريكيّة؛ إذ رأت أنّ ضعف الاستعمارَين البريطانيّ والفرنسيّ في المنطقة قد أحدث فراغا من الممكن أن يملأه الاتحاد السوفييتي، لذلك طلبت الإدارة الأمريكيّة من بن غوريون التمهّل ريثما تستكمل الولايات المتحدة بناء الأحلاف والقواعد العسكريّة.. وبعد أن تتمكّن من تركيع مصر عن طريق إغرائها بتمويل بناء السدّ العالي وبتزويدها بالقمح... لكنّ إسرائيل المتحفّزة لم تستطع أن تكبح جماح عدوانها، وظنّت أن دعم الاستعمارَين الفرنسيّ ( المتدهوّر في الجزائر) والبريطانيّ ( الذي يسعى للسيطرة على قناة السويس) يشكّل شرطا كافيا للقضاء على الثورة المصريّة والتحكّم بقناة السويس... وكانت المفاجأة السوفييتيّة! فشل العدوان بعد التهديد السوفييتي بقصف لندن وباريس وتل أبيب إذا لم...وبعد تحرّك مظاهرات العمّال المتعطّلين عن العمل في عقر دار الدولتين الاستعماريتين...فرضخت الدول المعتدية إلى قرارات مجلس الأمن وطلب الإدارة الأمريكيّة وللتهديد السوفييتي.
بعد هذه التجربة الفاشلة، ارتبطت إسرائيل بالاستعمار الأمريكيّ... وبدأت القيادات الصهيونيّة في بناء وتطوير سياسة المسكنة ولعب دور الضحيّة، فأسقطت من أدبياتها ورواياتها كلّ عمل بطوليّ كانت لمجموعة يهوديّة أو لفرد يهوديّ في المعسكرات النازيّة، كما دأبت على عدم عرض أيّ مشهد سينمائيّ أو مسرحيّ أو ... يظهر نوعا من البطولة لمقاومين يهود للبطش النازيّ والفاشيّ، وصبّت جلّ اهتمامها على صناعة الخوف وعلى إيجاد واستحداث"البعبع" المهدّد بإبادة الشعب اليهودي....
حفظ بنيامين نتنياهو هذه الدروس وطبّقها، ومازال يطبّقها بنجاح وعلى ما يرام، بدون وازع ضمير وحساب مصير، وبتكتيك صبيانيّ على حساب الاستراتيجية... تفوّق بهذا على منافسيه في الأحزاب الأخرى على رئاسة الحكومة، تميّز عليهم في إتقان إثارة الخوف، وتمكّن من حشر غالبيّة الشعب الإسرائيليّ في زاوية المسكين المهدَّد، تارة من التفجيرات الانتحاريّة الفلسطينيّة وأخرى من النووي الإيرانيّ، ووهّم بأنّ طريق الخلاص الذي يجب أن تسلكه الحكومة الإسرائيليّة هو الضربة العسكريّة القاضية والاستباقيّة بذريعة قبل فوات الأوان.
بنيامين نتنياهو- بيبي دائم الانفعال، ويبرع في إنشاء المثيرات الوهميّة المخيفة لشعبه وللجالية اليهوديّة في الولايات المتحدة، ليستثير سلوك الذعر والهلع ويبرّر سياسته وهدفه في ضرب إيران، غير آبه للتحذيرات الأمريكيّة وحلف شمال الأطلسيّ ومسؤولي الأذرع العسكريّة الإسرائيليّة...
هل سيتكرّر تاريخ حرب العدوان الثلاثي على مصر؟ أشكّ بذلك.
سياسة بنيامين نتنياهو المتّبعة هي بالفعل مثيرة للشكّ والاشمئزاز، فهي تتعامل مع النوويّ الإيرانيّ بنفس الأسلوب الذي تعاملت به مع عمر أبو جريبان (38 عاما "تسلّل" إلى إسرائيل من دير البلح) ، الذي قتلته المؤسسات الصحيّة الإسرائيليّة وأذرعها الأمنيّة التي رمته على حافة طريق ( شارع 443 بقرب موديعين) وهو لا يستطيع الحراك، حافٍ وبمنامة وموصول بجهاز استخراج البول، وعلى عربة معاق، وبدون ماء وطعام، ليجفّ ويموت ميتة عاجز! وهي تريد أن تقذف إيران إلى حافة عجلة التطوّر والتقدّم... تريدها أن تجفّ وتموت... لكنّ إيران ليست عمر أبو جريبان!
