هل بلدية بني براك مثل يُحتذى به..؟

single

*الوضع الداخلي في سلطاتنا المحلية يشوبه الكثير من الملاحظات والسلوكيات الخاطئة والمضرة والتي يمكن أن نبدلها لتكون نحو وفي مصلحة الأهل جميعا، هذا يتطلب ارادة، رؤيا، توافقا، جرأة، إلمامًا، تَعَلُما ودراسة والأهم قرار جماعي وشامل بوجوب تحقيق كل هذا بشفافية وموضوعية، اذا كانت بلدية بني براك قدرت على ذلك افلا يمكننا أن نعتبرها مثلا يُحتذى به وبها؟*

 

//
قررت وزارة الداخلية تنظيم دورة دراسية للموظفين "الكبار"، و\أو " الثابتين" (سكرتير، محاسب، مهندس، مدير قسم معارف، مدير مكتب الرفاه  الاجتماعي وآخرون) في السلطات المحلية التي تُدار بواسطة لِجان مُعينة، وذلك بداية من 17.5.2012، وهي مستمرة حتى شهر تشرين الأول 2012، وبهدف: "تسليح وتقوية الطاقم الإداري هذا، في هذه السلطات المحلية، لكي ليكونوا ضمانة لعدم عودة هذه السلطات للحالة التي جاءت باللجنة المُعينة فيها.. والتسليح هو بالمعرفة والتقوية هي بهذه المعرفة وأيضا بأمور أخرى" وكما كتبوها وقالوها لنا في الدعوة للمشاركة في الدورة، وقالوها في المحاضرات المختلفة التي سمعناها.
كاتب هذه السطور شارك في كل المحاضرات ودوّن أمورًا كثيرة منها،  وعنوان المقالة يوحي بأن مضمونها لن يأتي أو يناقش لا المقولة الوزارية حول الهدف من الدورة  ولا تفاصيلها  ولا المشاركة فيها أو عدمها ولا تعقيبات على مقولات ووقائع كثيرة ومثيرة تخص كل سلطاتنا المحلية العربية من الضروري أن نأتي عليها، لأن كلها لها أهميتها  وآمل أن أستطيع النشر عنها لاحقا وبإسهاب، خاصة عندما نعرف أن كل المشاركين في الدورة هم عرب، من النقب والمثلث والجليل، ومن كل أطياف شعبنا وطوائفه ومذاهبه، باستثناء مجلس "مجدال"(قرب طبريا).
اللقاء في هذه الدورة والذي جرى في 19.7.2012 كان في عيمق يزراعيل (مرج ابن عامر) في مؤسسة المفعام هناك، وإحدى المحاضرات الهامة فيه كانت لمحاسب بلدية بني براك، والذي بدأ عمله في هذه البلدية قبل 5 سنوات، وكما ذكر في محاضرته، ولأهمية هذه المحاضرة قررت نشر هذه المادة لخصوصيتها الاستثنائية ولكي أُطلِع جمهور وقيادات وموظفي سلطاتنا المحلية العربية على بعض الجوانب من المقولات والحقائق التي عُرِضت، علها تعطي لنا مادة للتعاطي معها على طريقة الأخذ والعطاء (طريقة أبو شاكوش في باب الحارة) على الأقل.
المحاضر اللبق واللطيف والمُلِم من بني براك، مدقق حسابات في مهنته، كان مسئولا في وظيفة قطرية في شركة السكن الحكومية عميدار (تُشرِف على 100 الف وحدة سكن وميزانيتها السنوية 800 مليون شاقل)، من هذا الموقع وهذه المسؤولية جاء إلى بلدية بني براك المُتَديِنة والمَدينة (هو من سكانها وأيضا متدين)، ومن المعطيات التي ذكرها عن البلدية: "عدد سكان بني براك 174 ألف نسمة منهم 85 الف طفل وشاب، عاشر مدينة في البلاد من ناحية الحجم، تقع بين رمات غان وبيتح تكفا (ملبّس)، معدل الأنفار في العائلة 6، قائمة على مساحة 7 آلاف دونم، والكثافة السكانية فيها 24،548 نفر في الكيلومتر المربع الواحد (للمقارنة نسبة هذه الكثافة في بئر السبع 1559 نفرًا الكيلومتر المربع)، مُدرجة في الدرجة الثانية، المتدنية،في سلم التدريج الاجتماعي-الاقتصادي (والذي فيه أو فوقه وتحته معظم قرانا ومدنا العربية)، وميزانية البلدية كانت عند دخوله العمل فيها 700 مليون شاقل والعجز السنوي كان 26 مليون شاقل، والمتراكم حتى عام  2008  كان 286 مليون شاقل"، ولتوضيح أكثر لحالة  هذه البلدية أضاف: "لفترة طويلة كانت البلدية تحت لجان مُعينة وقبل دخوله للعمل فيها عجرى فيها 13 خطة اشفاء..، ومن المفارقات الخاصة ذات الصِلة أن المسئول عن جمع النفايات في البلدية كان يتقاضى معاشا أكبر من معاش رئيس البلدية..! وأنه يوجد في البلدية 15 ألف حاوية نفايات.. وأن نسبة الجباية في حِينه لم تتجاوز ال-18%.. وصلت نسبتها اليوم الى 85%".  وبشكل خاص ذكر أن:"في المدينة 43 رابي (كاهنا) كبيرًا كانوا معفيين من الضريبة..!، وأما عدد الموظفين كان 600 موظف".
إذا نحن مع سلطة بلدية فيها الكثير مما عندنا من مميزات لسلطاتنا المحلية العربية، عدا أن الوضع عندهم  وصل إلى حالة مزرية للغاية من اليأس والإحباط  لدى الجميع من المنتخبين، الموظفين والأهالي ووزارة الداخلية والتي  وكما قال المحاضر:"لم يبق عندها ولا ذرة استعداد لسماعنا أو الاهتمام بنا.. ولا حتى الجلوس معنا..".

  • *تحوّل لافت*

من هذه الحالة وكما قال:" انتقلنا للحال البديل وهو موضوع المحاضرة". اليوم ليس أن البلدية بألف خير وإنما أصبحت عنوانا لتزاحم المستثمرين الذين يتراكضون للاستثمار فيها ومنذ عام 2008 تمت المصادقة على بناء 470 ألف متر مربع من الأبنية الصناعية والتجارية والتي ستزيد جباية الأرنونا ب- 100 مليون ش سنويا (الجباية موزعة 30% من دور السكن و- 70% من الصناعة والتجارة)". وعن أسباب حماس المستثمرين قال: "قررنا منحهم تخفيضا بنسبة 35% من ضريبة الأرنونا (يجبى عندهم 270 شاقل للم2 الصناعي.. وللمقارنة في مجلس المنطقة الصناعية التيفن والتي صودرت من مجلسنا المحلي يانوح-جث عام 1990 يجبى 19 شاقل للمتر المربع؟!")، وأكثر من هذا، ذكر المحاضر بأن إدارة البلدية تفحص أحسن الحالات لاستثمار السيولة المتوفرة والزائدة عندهم اليوم، ويستثمر في الشوارع وحدها 100 مليون شاقل سنويا، وأن المعاشات تُدفع للموظفين كل أسبوع، وليس كل شهر كما يُدفع في كل المرافق في الدولة وميزانية البلدية السنوية اليوم 850 مليون شاقل.. وكما ذُكِر مع فائض وبدون أي عجز.
كيف بدأ، تكوَّن، جرى وتحقق هذا التحول الأكثر من اللافت للنظر؟، من الذي و/أو الذين من ورائه؟ و.. و.. وأسئلة وخواطر ومشاعر وتطلعات كثيرة تطفو من النفس والعقل، وكلها تصرخ وتقول وتتمنى بأن ينتقل هذا الحال والتحول " إنشالله عندنا"،  والحقيقة أن المستمعين للمحاضرة ذُهلوا لسماع هذه الوقائع والمعطيات وذُهلوا أكثر من تفاصيل الحكاية التي جاءت بالتغيير وكما سمعناها، واليكم بعض التفاصيل.
في الانتخابات البلدية الأخيرة تم الاتفاق بين جميع الكتل المتنافسة، على ترشيح أحد موظفي المجلس سابقا، وهذا المرشح نال ثقة الجميع من التيارات والفعاليات السياسية والدينية والاجتماعية، وكان موقفه أنهم ملزمون  منتخبين، موظفين وأهالي بإخراج المدينة من الحالة التي وصلت إليها وتغيير هذا الوضع، إذًا التغيير كان العنوان ولاحقا الوسيلة لتبدل الحال وكما سيتضح.
 بعد أن حظيَ المرشح   بالتأييد، وصل الأمر الى يديه ليكون مرشح إجماع محلي شامل وجامع، وحصل على الرئاسة بالتزكية، وفي الفترة ما بين انهاء الترشيحات وإجراء الانتخابات، أقام الرئيس النواة الأولى والصلبة لعملية التغيير،  والمكونة من 5 موظفين كبار والرئيس والذين أُلقي على عاتقهم دراسة برنامج التغيير المنشود، وبعد أن اتفق هذا الطاقم المُصغر على كامل التفاصيل ومن خلال عشرات الجلسات والتي:" استغرقت الكثير من الوقت وامتدت حتى منتصف الليالي" كما قال المحاضر، ومن جملة ما في البرنامج كان توسيع حلقات المشاركة في اعداد البرنامج حتى يشمل كل الموظفين والمنتخبين والأحزاب والفعاليات السياسية والاجتماعية والدينية بالكامل، وبهدف:"تحقيق التوافق والوصول الى الإجماع وليُعمل كل شيء بشفافية وموضوعية" وكما ذكر المحاضر. ومما ذَكره أيضا أن الرئيس وبعد تسلمه المسؤولية وخلال اشهر عديدة ترك مكتبه وكانت كل جلساته في مكتب محاسب البلدية، وهناك درس واطلع وعاين كل بند ونشاط وشاقل دخل وخرج من صندوق البلدية، والأهم أنه أشرك في هذه المهمة غير المألوفة في العمل البلدي كل الطاقم الموسع من المديرين في البلدية إلى أن وصلوا الى حالة فيها لكل قسم قُطِعت ميزانية ومديرها هو المسؤول عن ادارتها وصرفها. بعدها نجحوا بأن يُقنعوا وزارة الداخلية بجدية توجهم للتغيير، "وكانت الجهود مضنية حتى تم لهم الأمر " وحسب قول المحاضر، وفي السياق أذكر ما قاله المحاضر عن الذي عُمِل حتى يدفع "الربانيم" رجال الدين اليهود ضريبة الأرنونا: "الخطوة الأولى اخترنا فيها الـ 5 منهم الأكثر تأثيرا ومكانة وأقنعناهم بأن يدفعوا، وتفاجأنا من سهولة الأمر إذ لم يستغرق الأمر أكثر من 5 دقائق ومن حماسهم وتفاعلهم الإيجابي.. وبعدها توجهنا لـ 35 من الباقين، وكان توجهنا مباشرًا وبسيطا إذ سألناهم: هل يليق بكم أن لا تدفعوا الأرنونا في حين أن الـ 5 ربانيم الكبار وافقوا وبحماس.. بعدها ما خلصهم الحال إلا الرضوخ والقبول، وأما الـ 3 الذين بقوا في اللائحة  لم يصمدوا أمام هذا التيار التغييري الجارف.." حلوة هالنهفة.. لا..؟ حِلوة كثير.
الرسالة واضحة المعالم والأهداف منها محددة ومبسطة، جاء في كتاب الله العزيز، قرآننا الكريم، "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم، ومع تأكيدنا وعلمنا بأسباب وتفاصيل وآليات سياسة التمييز العنصرية تجاهنا كعرب واستنكارنا وتنديدنا ومطالبتنا العادلة بتغييرها، إلا أن الوضع الداخلي في سلطاتنا المحلية يشوبه الكثير من الملاحظات والسلوكيات الخاطئة والمضرة والتي يمكن أن نبدلها لتكون نحو وفي مصلحة الأهل جميعا"، هذا يتطلب ارادة، رؤيا، توافقا، جرأة، إلمامًا، تَعَلُما ودراسة والأهم قرار جماعي وشامل بوجوب تحقيق كل هذا بشفافية وموضوعية، اذا كانت بلدية بني براك قدرت على ذلك افلا يمكننا أن نعتبرها مثلا يُحتذى به وبها؟.

 

(كاتب المقالة يعمل سكرتيرا وناطقا بلسان مجلس يانوح-جث المحلي)

قد يهمّكم أيضا..
featured

حلقة في سلسلة جرائم واشنطن

featured

أيها الداعشيون: احملوا أفكاركم وخذوا ممارساتكم وانقلعوا من سماء شعوبنا

featured

كرسي الرئيس فوق حنجرة أبو مازن

featured

في مخيم اليرموك: شتلة زيتون منتصبة جانب الدمار تنتظر قطرات الماء...

featured

طريقنا الثابت والمنتصر، طريق الهامة المرفوعة في وجه الظالم

featured

قاتل من بلاد القيرغيز

featured

استثمار "هبَّة الأقصى" باستمرارية شعبية: لخلق أفق سياسيّ جديد لنضال الشعب الفلسطيني

featured

القدس في الانتخابات الفلسطينية