صباحُ الخير لأهلنا الباقين في اليرموك، صباح الخير للمنزرعين في وجع اللجوء منتظرين حلم العودة، صباح اليرموك الحالم، للقابعين في أزقة المخيم حبيسي الدمعة واللهفة والانتظار، صباح الخير لمن يتجرعون صنوف العذاب من جوع وألم وحصار وقتل وشظف العيش، صباح الخير للقابضين على صكوك عودتهم ومفاتيحها، للممسكين صبرهم في يد، وفي الثانية يلوحون بسبل النجاة من وطأة الجحيم.
مخيم اليرموك يئن ويبكي، وهم هم المتعبون أبد الدهر، الفلسطينيون دائما، القابعون في سراديب اللجوء طويلا، الجانحون للتهجير كثيرا، الذين يروون حكاية تهجيرهم، جوعهم وبأسهم، فصار لديهم للوجع حكاية، للحصار والجوع والتهجير والألم رواية.
تخجل اليوم من نفسك لأنك عاجز عن نقل صورة لهذه الحكاية،أو الرواية تحبس دمعك، وتتلعثم بكلماتك وتغشى بنظرك لأنك لست بواثق انك ستجد صدًى لكلماتك وستجد ألفا وواحدًا يعارضون روايتك فتصمت لا لشيء انما لانك تصبح عاجزا امام هول المأسآة..وكم تكون المأساة شديدة عندما يشرعها العبيد.
في المخيم كل شيء مباح، فهم بين هذا وهذا يختنقون من كل شيء، يشتهون هواءً نقيا، يتطلعون الى مصارف صحية، مساحة يجعلها ابناء المخيم ملعبا يمارسون فيه لعبة كرة القدم التي يعشقها غالبية اطفال العالم.
في المخيم هي بضعة سنتيمترات قليلة تفصل الجار عن جاره، فلا مجال لأسرار داخله الكل مكشوف على الكل، الكل في استباق لكتم الانفاس حتى انفاس النوم. في المخيم يضيق كل شيء، حتى الحلم، لا حدود ولا حواجز، الكل واحد لا مجال لإخفاء واقع، حقيقة، خصوصية، سرية.
في المخيم الناس سواسية، لا طبقية ولا استعلاء، ولا نفوذ، في المخيم بساطة العيش وشظفه، في المخيم ضحكات الاطفال الممزوجة بعيون ناعسة حزينة، في المخيم لا تزييف لواقع،، برد، وجوع وفقر وحرمان لا متسع لستر العورات، الحقيقة عارية أمام أزمنة تتناسل فيها رحى المؤامرات لتولد لنا خيانة جسورة فاضحة من رحم الخيبات.
في المخيم لا جدران لصدى الصوت، ولا سماء تحمي ما بقي من ذكريات الألم والعودة،فقد تشتت قلوب كانت طافحة بالود، وتبعثرت أخاديد الألفة والقرب الرخامية لتنثر أمامنا اكوام الويلات والاحباطات والغل العسير فلا ارض تتسع للتهجير القادم وستظل الاسماء نقيض مسمياتها، بعد ان تبدد الحلم وصار رمادا، فماذا سيحكي لنا هذا الفلسطيني المهجر واللاجئ أبد الدهر عن أمس اشبه بالكارثة، وعن يوم هو كارثة، وبانتظار الغد، لا قلب يحتمل قدوم الكارثة
مخيم اليرموك يئن، والوجع يرمي بثقله على الشيخ والمرأة والطفل، كل شيء يتلاشى فأين أنت أيها العالم الحر، أين أنت يا رفيع المقام ويا عنقاء الرماد...
(مجد الكروم)
