*في الذكرى السادسة والستين للنكبة، وفي الذكرى السادسة والستين لقرار العودة، وفي الذكرى السادسة والستين للتشرد واللجوء والمخيمات*
أُذكِّر.. بهاجس يقض مضاجعنا ويشغل تفكيرنا. هاجس النكبة الممضّ يأتينا دون استئذان. هاجس الطرد والتشرد واللجوء والعنَت والحرمان، ومخيمات البؤس والعدوان.. ستةٌ وستون عامًا من كل هذا الظلم والشقاء ونحن ننتظر. ننتظر ان يعود الزمان، ويعود معه اللاجئ إلى حيه، فنجمع حجارة قرانا التي هدمها القرصان، نجمعها حجرًا حجرًا، ونعيد بناءها بيتًا بيتًا، وخُشة خشة، وطابونًا طابونًا، وتبَانًا تبَانًا، وسلسلة سلسلة.. نُهيئ البيدر ونصلح الطاحونة. نقلم أشجار التين واللوز والزيتون التي نجت من براثن القرصان. نسقيها ونرويها. نداوي جراحها ونسمّد جذورها ونعطف عليها، فتطلق وتزهر وتزدهر، وتعود الطيور تعزف على أغصانها ألحانها. نجلس في ظلها. تحنو علينا ونحنو عليها.. ونعيد لقرانا المدمرة رونقها وبهاءها، وتعود الخراف تثغو في أرجائها، والعجّال يخور في أزقتها، والرعاة يعزفون بالناي على هضابها. نعيد لها الحياة التي أعدمها القرصان.
ستة وستون عامًا مضت ونحن ننتظر، وما يئسنا وما سئمنا، وسنظل ننتظر.
أُذكِّر.. انه في داخل كل منا، نحن كبار السن، جدٌّ يحنو على أحفاده، ويخشى عليهم من أذى القرصان... وفي داخله أيضا فتى يافع، ذلك الذي كان إبان النكبة السوداء طالبًا في الابتدائية أو الثانوية، واصبح الآن جدًا.. يأبى ذلك الفتى اليافع ان يغادره، وما تزال ذاكرة ذلك الفتى حيّة متوقدة، تعيد عليه في كل ذكرى، ما عاصره، وما سمع به، وما شاهده، من طردٍ وتهجير وهدم ومذبحة واقتلاع وعدوان، وما حدث لشعبنا المعنى على يد القرصان. وتذكره بما كان من اجتماع العالم الاستعماري الجبار برمته، من بريطانيا التي أعطت الوعد وقطعت العهد، إلى أمريكا التي نفذت الوعد والعهد، إلى فرنسا التي أعطت الفرن وسلاح الجو، إلى سائر مصاصي دم الشعب الفلسطيني الذين شاركوا في نكبة شعبنا الضعيف الأعزل.
ما أروعَ ذاكرةَ ذلك الفتى الذي في داخله، تعرض عليه شريطًا لا ينقطع من الصور التي تجسّم حياة شعبنا قبل النكبة وإبان أهوالها وما نتج عنها من اللجوء والتشرد والهدم والحرمان، ولكنها في ذات الوقت تحتفظ بداخلها بالأمل الذي لم يبرحها، وظل دائمًا يناجيها ويداعب خيالها.
*اصطلاح النكبة لا يعبر بالقدر الكافي*
أُذكِّر.. بأن اصطلاح النكبة لا يعبر بالقدر الكافي عما حلّ بالشعب الفلسطيني. فقد تحل بشعب ما نكبة ثم يخرج منها مع الزمن ويبني حياته من جديد على ارض وطنه، ولكن نكبة الشعب الفلسطيني لم تنتهِ وما تزال مستمرة طيلة الستة والستين عامًا التي مضت.
فبعد نكبة 1948 أحدثوا لشعبنا نكبة ثانية، فاحتلوا ما تبقى من فلسطين عام 1967 وما صاحبها من سلب الأرض، ونهب الماء، وإقامة المستوطنات، ورفع الأسوار، وإنشاء الطرق الالتفافية لخدمة المستوطنين، وعزل الفلسطينيين. ونقَّبوا في ارض الضفة الغربية ونخّلوها وكربلوها فلم يجدوا لهم آثار مملكة أو مقدسات، فامتدت أيديهم إلى مقدسات المسلمين، فاغتصبوا المسجد الإبراهيمي في الخليل ودعوه تضليلا بالمغارة، وهو ليس بمغارة بل هو مسجد إسلامي منذ القرن السابع الميلادي وليس لهم فيه حجر واحد أو حتى حصاة. وامتدت أيديهم أيضا إلى المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، يقوم رجال سياسة ومستوطنون باقتحامه يحميهم جنود الاحتلال المدججون بالسلاح، يتحكمون بعبادة المسلمين فيه، يسمحون بالصلاة لمن يشاؤون ويمنعون من يشاؤون. وينكل المستوطنون المدججون بالسلاح بالشعب الفلسطيني الأعزل بحماية جنود الاحتلال... يقطعون أشجار الزيتون. يحرقون حقول القمح، يحرقون المساجد والسيارات والممتلكات ولا من حسيب ولا من رقيب، والعالم "الحر" يتفرج.
أُذكِّر.. بالغزو الفرنجي لبلادنا واحتلالهم الاستيطاني الذي كان أيضا بحجة "حقهم" في البلاد المقدسة.
أُذكِّر.. بان الشعب الفلسطيني هو الذي دافع عن هذه البلاد وصمد وصبر وقاتل الفرنجة مئتي عام، ساندته في ذلك الشعوب العربية المجاورة. ولقد قُتل منه الكثير وروى ارض فلسطين بدمائه الزكية في الحروب والاعتداءات العديدة التي واجهها في تاريخه الطويل. واذكر على سبيل المثال لا الحصر مذبحة المسجد الأقصى الوحشية الرهيبة التي ارتكبها الفرنجة عند احتلالهم القدس سنة 1099م. ان لون التربة تحت المسجد الأقصى ما زال يحمل لون دم شعبنا ولا بد ان المنقبين تحت المسجد الأقصى قد اشتموا رائحة دماء شعبنا الفلسطيني.
أُذكِّر.. بأنه لو ان الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة تقاعسوا ولم يضحوا بأبنائهم وبذواتهم لطرد الفرنجة لنجح هؤلاء بالبقاء في بلادنا ولاستمرت دولتهم حتى يومنا هذا. وفي هذه الحالة فان بريطانيا ما كانت تعطي الحركة الصهيونية وعد بلفور وان تهبها ارض فلسطين.
أُذكِّر.. بان دماء شعب فلسطين الزكية التي سالت على ارض فلسطين في الدفاع عن الوطن ضد الغزاة من فرنجة وتتار وغيرهم وارتوت منها هذه الأرض، لهي حلف دم بين الشعب الفلسطيني وارض وطنه. فلا يستطيع احد ان ينازعنا حقنا في ارض وطننا الذي حاربت الأجيال في سبيله وحمته على مر العصور وعلى طول التاريخ. ان كل خزعبلات العالم لا تستطيع ان تسلب منا تاريخنا على ارض بلادنا.
أُذكِّر.. بلاجئ أخذه الوجد والحنين إلى وطنه وبلاده، تهفو نفسه إلى قريته كما تهفو الشواطئ للجداول والوديان، يصيح بأعلى صوته: يا بلادي، أعاهدك ان سأعود إليك يومًا.
أُذكِّر.. بأنه في داخل كل منا إنسان يتحسر، إنسان يتأوه، يتنهد، وأحيانا يبكي على ما يعانيه الشعب الفلسطيني من الويلات. ولكننا مع ذلك نحلم، نغني، نقيم الأفراح، نزوج أبناءنا، نضحك، نبتسم، نفرح، نغضب، نخرج إلى الشوارع نتظاهر، نخاطب أهل الأرض وأهل السماء، نطالب بحقوقنا، نضرب بقبضات أيدينا على طاولات المسؤولين، لا نخشى في الحق لومة لائم، ونحتفظ بالأمل يدفئ صدورنا.
أُذكِّر.. بأننا صبرنا ورابطنا ستة وستين عامًا حتى الآن، واننا من خلال معارك البقاء التي خضناها وما زلنا، أنجبنا شعراء كبارًا وزجالين موهوبين، وأدباء رواية وقصة قصيرة وقصص أطفال، وأنجبنا مناضلين يشار إليهم بالبنان. واننا لنفخر اننا طيلة مدة عزلنا وعزلتنا عن امتنا العربية أنجبنا هذا الكم وهذا الكيف من الأدب والأدباء، ومن المناضلين السياسيين الذين أصبحوا مثلا ونبراسًا لأجيالنا القادمة.
* أكثر بكثير من نكبة*
أُذكِّر.. بطيور بلادنا المحلقة فوق سهولها وجبالها وغورها ونقبها، لو انها تتكلم كالإنسان، أية حكايا كانت ستقص علينا عما فعله القرصان منذ النكبة المهولة وحتى الآن.
أُذكِّر.. بأنه في كل صباح تكون الشمس جديدة، تشرق فيسعد بها الناس، فلماذا لا يسعد بها اللاجئ أيضا مع الآخرين.
أُذكِّر..بالشمس تلاطف بلادنا الحبيبة، تعطيها الدفء والحياة، ولكنها لا تتورع في تموز وآب ان تقسو عليها.
أُذكِّر.. بموجة لطيفة تقبل صخور شواطئنا مرة تلو الأخرى.
أُذكِّر.. بأن كل نسمة تهب فوق ربوع بلادنا تحمل ذكرى عزيزة علينا.
أُذكِّر.. بزهرة المدائن، بهية المساكن، مدينة الصلاة، عيوننا إليها ترحل كل يوم، ذات الأقصى والقيامة، ليس للمحتل فيها ما يضاهيهما، بل ليس له في مدينتنا هذه أية آثار، ليس له في سورها أو مساكنها العتيقة حجر واحد أو حتى حصاة. ليس له سوى الأساطير يلوكها صباح مساء. ولما كانت الأسطورة لا تترك أثرًا في باطن الأرض أو في ظاهرها، فإنهم لم يجدوا لهيكلهم تحت أقصانا أو حوله أي اثر ولا حتى ذرة تراب.
هذه هي القدس الشرقية. عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة. للقدس سلام.
أُذكِّر.. بمدينة البشارة، مهد العذراء، فيها قضى المسيح (ع) ثلاثين من ثلاثة وثلاثين عامًا من حياته. طبقت شهرتها الآفاق، يقصدها السياح من أربعة أطراف المعمورة، قال فيها احد شعرائها:
تلوح كوشي في مطارف غادة أو الوشم في زند أو الشام في الخدِ
وقد ركبت متن الجبال وأشرفت على مرجها واليمّ والغور والنجدِ
مليكة حُسن فوق عرش تربعت محاسنها تبدو على القرب والبعدِ
هذه هي الناصرة.
أُذكِّر.. بالشاطئ والمرسى، وقوارب الصيادين تبحر في الأفق بعد ان يتسرب الظلام وتذهب الشمس لتنام وتتلألأ آلاف كواكب الربيع في السماء، وخان جميل مهجور ينتصب متحديًا عوادي الزمان على حافة ميناء صغير تشهد له الأيام... احتلها الصليبيون مئة عام بالكمال والتمام، وخرجوا منها صاغرين على يد الملك الاشرف خليل ملك مصر.. وجاءها نابليون، كبير قادة أوروبا، فصدته بأسوارها المنيعة التي بناها أميرها ظاهر العمر الزيداني، وأعادته خائبًا.
هذه هي عكا.
أُذكِّر.. ببنت الكرمل ذات المرفأ والميناء وسكة حديد الحجاز. ذات الخليج الساحر يمتد من عند أقدام جبل الكرمل إلى ان يداعب شطئان توأمها عكا. أعاد بناءها ظاهر العمر الزيداني وأحاطها بسور يحميها من قراصنة الزمان.
هذه هي حيفا.
أُذكِّر.. بالقمر يطلع من فوق المساجد والمآذن والكنائس. وشجيرة ياسمين تتسلق جدار بيت تفوح حوله روائحها الزكية. وشجري جميز وحيدة ماتت أخواتها قهرًا وكمدًا. وميناء شهد التهجير والطرد والاقتلاع. مدينة رائعة كانت يومًا ما قلب فلسطين النابض.
هذه هي يافا.
أُذكِّر.. بأنه ضمن الذكرى الخامسة والستين للنكبة، العام الماضي، قامت جمعية "زوخروت" (ذاكرات) بنشر أول خارطة للنكبة باللغة العبرية، وذلك عشية يوم الاستقلال 15/4/2013 في مقر الجمعية في تل أبيب.
أُذكِّر.. بان هذه الخريطة تبين ان إسرائيل قامت بتدمير 678 قرية وبلدة فلسطينية. وان 62 بلدة تم هدمها قبل عام النكبة. وان 14 بلدة فلسطينية تم تهجير أهلها بشكل جزئي أو مؤقت عام 1948. وان ثلاث قرى من قضاء القدس تم تدميرها مباشرة عند احتلال القدس عام 1967.
وتبين خريطة "زوخروت" أيضا ان 127 بلدة سورية هُدمت ودُمرت عام 1967.
أُذكِّر.. بان هذه الجمعية الليبرالية المتفهمة والتي تهدف إلى ان تعرّف الشارع اليهودي بأهوال ما حدث إبان النكبة، شاركت في مسيرة العودة العام الماضي إلى قرية خبيزة المدمرة، والى القريتين المدمرتين كفر لام والطنطورة.
أُذكِّر.. بان ما حل وما يزال يحل بالشعب الفلسطيني هو أكثر بكثير من نكبة، انه كارثة تقشعر لها الأبدان.
(عكا)
