*سأل المعلم عما نفعله في الاستقلال، وقد أجبت، والحماس يغلبني، "نزور معلول يا أستاذ". وفي حينه، ولسنوات طويلة فيما بعد، ذهبت هذه المقولة مثلاً، كانوا يذكّروني بما قلت، أما أنا فلم أفهم العبث فيما قلته إلا في جيل متأخر..*
وكان يوم الاستقلال في طفولتنا، يومًا لإظهار المواهب الطلابية.. وفي الذكرى العشرين لقيام الدولة الفتية، آنذاك، إنخضّت مدرستنا، من حيث التنظيف والتزيين واستنهاض المواهب، وكان هنالك معرض لانجازات الدولة بحق العرب، فمن المعروف أن النكبة لم تكن انجازًا يتيمًا للدولة، فقد تحققت انجازات أخرى تدعو للفخر والاعتزاز.. وكنا نحب يوم الاستقلال، يومٌ بلغة اليهود- جامدي العواطف- وعيد بلغتنا المتدفقة العواطف، ولماذا لا نحب الاستقلال، وقد سأل المعلم قبل ذلك، قبل حوالي من 45 عامًا، عما نفعله في الاستقلال، وقد أجبت، والحماس يغلبني، "نزور معلول يا أستاذ". وفي حينه، ولسنوات طويلة فيما بعد، ذهبت هذه المقولة مثلاً، كانوا يذكّروني بما قلت، أما أنا فلم أفهم العبث فيما قلته إلا في جيل متأخر..
وفيما بعد، بعد أن تفتحت أعيننا وقرر، من قرر، في مدرسة ثانوية نازفة الجراح، وقد أصبحنا أعضاء في الشبيبة الشيوعية، الاحتفال بالاستقلال، وكنت ومجموعة من الطلاب في قيادة العمل الطلابي، قلنا ليكن، ولكنّا نريد أن نلقي خطابًا بهذه المناسبة السارة، ولما أصروا على الاطلاع على مضمون الخطاب، قبل إلقائه، وكنا قد دأبنا على إعداده في نادي الشبيبة الشيوعية، في اليوم السابق، رفضنا فرفضوا أن نلقي الخطاب، فقلنا لا مكان للاحتفال، قالوا أحسن، فقلنا "أحسنين"، وألغي "الاحتفال"..
أما الخطاب الذين نحن بصدده، والذي بجريرته ألغت دولة إسرائيل احتفال تأسيسها في تلك المدرسة الثانوية، وها أنا أكشف "سرًا" عمره أكثر من ثلاثين عامًا، فقد حمل سلامًا وحنينًا إلى اللاجئين عبر الحدود، ولو أُلقي هذا الخطاب لكان كفيلا بإرجاع اللاجئين وإنهاء مأساة اللجوء، وإنهاء احتلال أراض ثلاث دول عربية، ووقف النزيف الفلسطيني، ولكانت أخوة الشعوب قد حلت بين العرب واليهود.. لكنهم خافوا الخطاب فألغوا الاحتفال.. وفعلنا ذلك اعتمادًا على تجربة عامرة، فقد كنا قد أُحطنا علمًا من طلاب أكبر منا سنًا، كيف احتفلوا بعيد الاستقلال في سنوات سابقة، حيث من فرط الحماس، كانوا قد أحضروا علب السمنة الفارغة، معدنية الصنع، يخبطون عليها، من أول الاحتفال لآخره، وكان هؤلاء، غني عن الذكر، أعضاء في الشبيبة الشيوعية، فكان الاحتفال عبارة عن خبط متواصل يصم الآذان.
وفي تلك السن المبكرة شعرت أنني مميز؛ "في يوم الاستقلال نبقى في البيت، وأنت"، يسأل أحدهم، ثم مستدركًا يقول، "آه.. أنتم تذهبون لمعلول".. نعم نحن لنا معلول. لنا قضية. ماذا تفعلون هناك؟ يسألنا، بعيون بارقة ونظرات غابطة، أطفال لم يسعدهم الحظ ببلدة هُجِّر آباؤهم منها، عادي، نقول بتواضع وبلامبالاة مصطنعة، نزور الجامع والكنيسة، نتفيّأ في ظل الشجر ونلتقي أهالي معلول هناك، ولكنكم تلتقونهم هنا كل يوم، بس هناك، تتفتق أذهاننا في الرد، اللقاء أجمل.. ماذا قال بريخت عن الوطن الذي فيه حتى الصوت أجمل.
**
اليوم، عندما يقررون حظر إحياء النكبة، فهذا اعتراف ضمني بأنهم قد خسروا القضية؛ ربحوا المعركة ولكنهم خسروا القضية؛ انهزمت الرواية عن شعب بلا أرض جاء إلى أرض بلا شعب؛ روايتنا، رواية الضحية، انتصرت.
وهم بائسون إذا اعتقدوا، أنهم قد اخترعوا الدولاب من جديد، بسن هذا القانون. ومن الأجدر بهم مراجعة التاريخ، فإذا كنا قد أحيينا ذكرى نكبتنا في الأيام الحالكة، تحت أعلام استقلالهم، فكيف سيكون حالنا اليوم، ومصطلح "نكبة" قد أصبح جزءًا من الخطاب العالمي. فالينبوع الحي، مهما تكدست الصخور، سيجد طريقه لإرواء الظامئين.
