من تصريحات أوباما: الدعم الأمريكي لإسرائيل مقدس وعلينا مساعدتها في تفوقها العسكري
*فليقل الفلسطينيون لا للهيمنة الأميركية، وليبحثوا عن السبل التي تعيد الصلة بينهم وبين مناوئي هذه الهيمنة؛ ولتكف قيادتهم عن المحاولة العقيمة في استرضاء التابعين الخانعين*
باراك اوباما قادم، والكلّ هنا، على جانبي الخط الأخضر، في انتظاره. الذين يعرفون أن زيارة الرئيس الأميركي لن تأتي بجديد ينتظرونه، والذين تراودهم الأماني وتخلبهم الأوهام ينتظرونه، أيضاً. الفريق الأول محتاج إلى التسلّح بالنتيجة – اللانتيجة، كي يسوّغ ما هو ممعن فيه؛ والفريق الثاني محتاج إلى مغالطة النفس كي يسوّغ عجزه عن عمل ما ينبغي عمله أو رفض ما يتوجب رفضه، كي ينسب الفعل أو الامتناع عن الفعل إلى وعود أميركية أو إلى ضغوط أميركية.
بكلمات غدت مألوفة لكثرة ما تكرّرت: سينتج عن زيارة الرئيس اوباما ما نتج عن كل تحرك أميركي جرى في أوقات توقف المفاوضات بين حكومات إسرائيل المتعاقبة وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية شبه الثابتة: تحريك، أو أمل بتحريك، لا يرتقي في أي حال إلى مستوى التفعيل الحقيقي.
هذا الأمر كان كذلك منذ البداية، وظل كما كان حتى يوم الناس هذا، وما من شيء ينمّ عن أنه سيتبدل: تُقرّر إسرائيل خطوتها التالية في اتجاه استكمال مشروعها الصهيوني، وتتفق بشأن هذه الخطوة مع الإدارة الأميركية، آخذةً في اعتبارها المصلحة الأميركية؛ وتُنقّح الإدارة بنود الخطوة بما يضمن مزيداً من مصالحها هي وتُقدم لإسرائيل ثمن هذا التنقيح؛ ويتناقش الجانبان حول أيسر الطرق وأنجع الوسائل، ويستخلصان ما ينبغي عمله أو الامتناع عن عمله لتقليص ردود فعل الأطراف المتضرّرة وجعل ردود الفعل هذه دون الحد الذي يعطل القيام بها. وفي الغضون تنشط حركة زيارات المبعوثين الأميركيين إلى المنطقة، يزور بعضهم طرفاً من طرفي الخط الأخضر ويزور آخرون الطرف الآخر، وآخرون الأطراف العديدة ذات التأثير في مجرى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصًا الطرف العربي، خصوصًا عرب النفط. وهناك من يزورون الأطراف جميعها. وقد يأتي وزير الخارجية الأميركية أو مبعوث شخصي للرئيس الأميركي. وفي الحالات ذات الحساسية الخاصة قد يأتي الرئيس ذاته. وتصنع الزيارات ما هو لازم لمصمّميها، فتخلق الأجواء التي تسهَّل صيانة المصالح الأميركية والإسرائيلية وتحبط ردود الفعل ضدها. لكأننا إزاء سيناريو يتواتر إنتاجه في أفلام متعاقبة لا يقدِّم أي منها ما هو جديد حقاً.
المثير في الأفلام المتماثلة أن مشاهديها العرب، حتى العارفين منهم بحقائق النوايا والسلوك، لا يُظهرون مللا من التكرار الرتيب. وبإمكان المتتبع المواظب أن يتنبأ مسبقاً بردود الفعل المرتقبة إزاء أي عرض. ولن يحتاج هذا المتتبع إلى أي فطنة خاصة؛ إذ يكفيه أن يستحضر ردود الفعل إزاء أول عرض، وأن يعيد نسخها مع كل إعلان عن عرض جديد.
لنطبِّق هذه القاعدة على زيارة الرئيس اوباما القادمة. نحن في زمن يُعاد فيه ترتيب أوضاع المنطقة كلّها، وتجتهد الإدارة الأميركية لإتمام الإعادة بما يضمن لها مصالح عديدة يبرز في مقدمتها مصلحتان: إحكام هيمنتها على الثروة النفطية في المنطقة بمدّ الهيمنة وتعزيزها لتشمل ثروة الغاز المكتشَفة حديثاً؛ وتمتين دور إسرائيل الدائم في خدمة هذه الهيمنة.
إعادة الترتيب هذه بالصلة مع المكتشفات النفطية، جرت أول مرة بعد الحرب العالمية الأولى، في ضوء مكتشفات النفط السائل كما ظهرت في ذلك الوقت. يومها، كانت الثورة العربية الكبرى ضد الاستبداد التركي في إبانها، وكان الثوار العرب ينشدون إقامة نظام حكم ديمقراطي برلماني. ويومها، أيضاً، اتخذت بريطانيا وفرنسا المبادرة لإعادة الترتيب، فأجهضتا الثورة العربية الديمقراطية ومزقتا ديار العرب، وصدر وعد بلفور.
إعادة الترتيب تكررت بحذافيرها بعد الحرب العالمية الثانية. يومها، كانت بلاد العرب في حالة غليان، أملاً في الظفر بالاستقلال والتحرر من الاستبداد الاستعماري وإقامة أنظمة حكم ديمقراطية برلمانية. المبادرة إلى إعادة الترتيب اتخذتها هذه المرة الولايات المتحدة. وبموجب هذه المبادرة التي تمت بتأثير مكتشفات نفط جديدة كما بتأثير عوامل أخرى، حصل العرب على الانقلابات العسكرية التي وأدت المسار الديمقراطي، وقامت إسرائيل.
وها هي إعادة ترتيب أوضاع المنطقة جارية مرة أخرى بمبادرة أميركية وفرنسية وبريطانية هذه المرة، في هدي ما تعد به المكتشفات الجديدة لحقول الغاز. وكما حصل في كل مرّة، ومع إدخال التعديل الذي يمليه إيقاع العصر وظروفه، يجري وأد الحراك العربي الديمقراطي بموازاة الجهد المبذول لإحكام الهيمنة الامبريالية على النفط، قديمه وجديدة، سائله وغازه.
أين العرب من هذه الإعادة الجديدة للفيلم القديم، أين، خصوصاً، الجانب الفلسطيني، هذا الذي كان أشدّ المتضررين بعد الحرب العالمية الأولى، وأشدّ المتضررين بعد الحرب العالمية الثانية، والمرشح لأن يصير أشدّ المتضررين، إذا تمكنت الولايات المتحدة ولفيفها ومعهما إسرائيل من إعادة ترتيب أوضاع المنطقة في النحو الذي يريدونه.
العرب في هذه المسألة، كما في كلّ مسألة، عُربان عديدون، وليسوا عرباً واحدة. وأغلب هؤلاء العربان تابع أو خانع، أو تابع خانع، لمشيئة الإدارة الأميركية. أما الفلسطينيون فقد أحيط بهم من كل جانب. وقصارى ما تستطيع أن تفعله قيادة فلسطينية صائبة الفكر والسلوك هو العمل على تخفيف الكوارث المحدقة بأبناء شعبها. وأهم ما يمكن عمله في هذا المجال هو الامتناع عن تسهيل الأمور أمام الإدارة الأميركية وإسرائيل. فليقل الفلسطينيون لا للهيمنة الأميركية، وليبحثوا عن السبل التي تعيد الصلة بينهم وبين مناوئي هذه الهيمنة؛ ولتكف قيادتهم عن المحاولة العقيمة في استرضاء التابعين الخانعين.
