العربية: اللغة التي يمنّون عليها

single


*تهديد مكانة اللغة العربيّة يؤثّر بشكل مباشر على امكانيّة النهوض بالحياة المشتركة بين اليهود والعرب*يُعقد اليوم في الكنيست "يوم اللغة العربيّة" للعام الثاني على التوالي، بمبادرة مباركة لعضو الكنيست د. يوسف جبارين من القائمة المشتركة*


//
كما يبدو فإنّ قانون القوميّة سيُطرح للتصويت عليه في دورة الكنيست الحاليّة. صحيح أنّ اسم الدولة هو إسرائيل، وعلمها ذو لونين أزرق وأبيض، وشعارها هو الشمعدان، كما أنّ قانون العودة يسري على اليهود فحسب، والأحزاب العربيّة لم يجرِ إشراكها في أيّ ائتلاف، ولكن لغاية الآن بالنسبة لوزراء الحكومة وأعضاء الائتلاف – ولربّما لعدد كبير من أعضاء الكنيست من ذوي النزعة الشعبويّة في المعارضة – سنّ قانون ينصّ على أنّ إسرائيل هي لليهود بالأساس هو أمر ضروريّ.
يحمل قانون القوميّة معاني عديدة، والتي بلا شكّ لها صلة بمجموعة القوانين التي ترغب في التأكيد على كون دولة إسرائيل دولة يهوديّة أكثر من كونها دولة ديمقراطيّة، لكنّني لا أودّ في هذا المقام تحليل القانون، والذي سوف يتمّ إقراره كما يبدو، ولكنّني سوف أحلّل البند الذي قد لا يُدرج في هذا القانون: بند اللغة العربيّة. 

وردت في مشروع القانون الأصليّ مادّة، تنصّ على أن تكون لإسرائيل لغة رسميّة واحدة فقط، اللغة العبريّة، وأنّ اللغة العربيّة سوف تفقدُ مكانتها كـ"لغة رسميّة" وبدلًا من هذا تتحوّل إلى لغة "ذات مكانة خاصّة". تنسجم هذه المادّة مع المحاولات الأخرى التي جرت في الماضي بهدف التقليل من مكانة اللغة العربيّة في إسرائيل، وهي اللغة التي تتمتّع بمكانة رسميّة على الورق، في حين مكانتها على أرض الواقع أدنى بكثير من مكانة اللغة العبريّة ومن اللغة الإنجليزيّة أيضًا، التي لا تعتبر لغة رسميّة.
في مقالنا "الرسميّة غير المعترف بها" (د. دفنا يتسحاكي، د. ميطال بينتو وكاتب هذه السطور)، والذي نُشر في المجلّة العلميّة "غيلوي داعت"، تمّ التأكيد على أنّ اللغة العربيّة هي لغة رسميّة في دولة إسرائيل بمقتضى الأمر الانتدابيّ، وأنّ المحاولات لإلغاء مكانتها بدأت مع قيام الدولة، وأنّه في الآونة الأخيرة هناك تكثيف للاقتراحات التي تحمل نفس الطابع. الجديد في مشاريع القوانين في الفترة الأخيرة هو السعي لترسيخ التدريج الهرميّ بين العبريّة والعربيّة. بمعنى آخر، إبقاء اللغة العبريّة في المكانة الرسميّة وتخفيض مكانة العربيّة، أي جعلها في مكانة "لغة رسميّة ثانويّة إلى جانب اللغتيْن الإنجليزيّة والروسيّة"، "لغة تحظى باهتمام خاصّ"، أو "لغة تحظى بمكانة خاصّة" (كما يقترح آڤي ديختر من الليكود).
في نهاية المطاف، لم يتمّ إقرار هذه الاقتراحات، وحافظت اللغة العربيّة على مكانتها: من جهة رسميّة ومن جهة أخرى ذات مكانة متدنيّة. كما يبدو، فحتّى في الحالة الراهنة لقانون القوميّة، سيتمّ الحفاظ على هذه المكانة الهشّة. في نهاية الأمر، فإنّ المبادرين لهذا القانون قد يصرّحون بأنّهم "موافقون" على عدم إدراج بند اللغة، وتقديم قانون القوميّة بُغية التصويت عليه من دون هذا البند. وحينذاك فإنّنا قد نخطئ الظنّ ونعتقد بأنّ اللغة العربيّة قد "انتصرت" – ولكن يكفينا نصرٌ كهذا كي نكون قد خسرنا. ليس فقط بسبب قانون القوميّة والذي سيحظى بالتصديق عليه كما يبدو، ذلك أنّه حتّى لو لم يتمّ إدراج بند اللغة في قانون القوميّة، فإنّ المشرّع الإسرائيليّ قد نقل الرسالة، ووفقًا لهذه الرسالة فإنّ اللغة العربيّة كانت قاب قوسين أو أدنى من فقدان مكانتها الرسميّة، وفي نهاية المطاف حافظت على مكانتها فقط بعد أن منّوا عليها بذلك.  
وبالتالي، فإنّ الكنيست ستُرسل بذلك رسالة واضحة إلى أبناء المجتمع العربيّ، وهذه الرسالة تخصّهم كمواطنين وتمّ تمريرها عبر اللغة: في اللحظة الأخيرة تمامًا نجت اللغة العربيّة من فقدان مكانتها الرسمية، ولهذا فإنّه يتعيّن على جميع الداعمين والمؤيّدين للمساواة بين المواطنين وشركائهم أن يكونوا حذرين جدًّا من القيام بأيّ حركة غير متوقّعة، لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى سحب البساط من تحت أقدامهم في أيّ لحظة. 
بناءً على ذلك، فإنّ عدم إدراج بند اللغة في قانون القوميّة لا يعني منح قوّة حقيقيّة لمكانة اللغة العربيّة، بل تركها معلّقة على خيطٍ رفيع، في انتظار المرّة القادمة والتي ستهدد فيها السلطة بقطع هذا الخيط، وأن تبدي في ما بعد مدى "طيبة قلبها". هذا وضع مزمن من الضعف.
سيُعقد اليوم "يوم اللغة العربيّة" في الكنيست للعام الثاني على التوالي، بمبادرة مباركة لعضو الكنيست الدكتور يوسف جبارين من القائمة المشتركة. إنّ حقيقة أنّ عضو الكنيست المبادر إلى هذا اليوم من أجل مناقشة تطوير اللغة العربيّة يرأس أيضًا اللوبي من أجل تعزيز الحياة المشتركة بين اليهود والعرب غير مفاجئة. عضو الكنيست جبارين يدرك أنّ تهديد مكانة اللغة العربيّة يؤثّر بشكل مباشر على امكانيّة النهوض بالحياة المشتركة بين اليهود والعرب. 
ولهذا السبب، ومن أجل تفادي الوضع المزمن الذي تكون فيه اللغة العربيّة محتاجة "أن تشكر" في كلّ عام أعضاء البرلمان على أن منّوا عليها وأبقوا مكانتها الرسميّة على حالها، يتعيّن على النائب جبارين وعلى زملائه في القائمة وفي الفكرة، بالإضافة إلى بعض قوى المجتمع المدنيّ، الكفاح ليس فقط من أجل أن تبقى العربيّة على قيد الحياة، بل من أجل أن تحظى بحياة حقيقيّة: في المدارس، في وسائل الإعلام، في مجال الخدمة العامّة. هذه هي الفرصة الوحيدة لكي تتخلّص العربية من تهديد الإلغاء الذي يحوم فوق رأسها.
وهذه هي الفرصة لتعزيز الحياة المشتركة، للعبريّة والعربيّة، لليهود والعرب.
 (د. يوناتان مندل هو رئيس المركز للعلاقات اليهوديّة-العربيّة في معهد فان لير في القدس وباحث مشارك في منتدى التفكير الإقليميّ)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الضوء برتقالي في لبنان

featured

اللغة العربية في خدمة مشروع التدريز! (1)

featured

لست صفرًا على اليسار

featured

إستهبال مباشر!

featured

سلكنا منذ البداية طريق الشيوعيين الوطنيين، لا طريق الخنوع والزحف على البطون

featured

أوباما - تحدّيات مزدوجة: الإرهاب وإسرائيل

featured

قدّموا شر ما عندهم ويريدون الشكر والثناء!!

featured

التجربة اكبر برهان