مظاهرة رفضًا للتجنيد الإجباري المفروض على الشباب الدروز العرب، أمام سجن 6 بالقرب من عتليت (أرشيف)
*مراجعة نقدية لكتب تعليم الأدب العربي في المدارس الدرزية* فيما يلي الحلقة الأولى من هذا البحث الهام*
//مقدمة
يبلغ تعداد العرب الدروز في اسرائيل اليوم حوالي 110000 مواطن يتوزعون على 16 قرية وبلدة في الجليل والكرمل - اضافة إلى حوالي 20 الفا يقطنون أربع قرى في الجولان المحتل، هؤلاء رفضوا قرار الضّم الذي اتخذته الحكومة الاسرائيلية عام 1981 ورفضوا التجّند في الجيش الاسرائيلي. إلى جانب هؤلاء يتوزع الوجود الدرزي في المشرق العربي بين سوريا ولبنان والاردن.
تأسس مذهب الدروز في القرن الحادي عشر في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله وشكّل ظهور مذهبهم في كنف الخلافة الفاطمية في مصر افرازًا طبيعيًا لحالة التعددية الثقافية والدينية التي لطالما امتازت بها الحضارة الاسلامية. حافظ الدروز على خصوصيتهم المذهبية في ظل الدولة الاسلامية التي تعاقبت على المنطقة منذ القرن الحادي عشر، وليس من قبيل الصدفة أن الدولة العثمانية التي دامت على مدى اربعة قرون اعتبرت الدروز جزءًا لا يتجزأ من الأمة الإسلامية أسوة بالمذاهب الإسلامية الأخرى كالشيعة الإمامية والزيدية والاسماعيلية والعلوية (Turkyimaz, 2009, pp. 158-9). التزم الانتداب البريطاني (1948-1920) بالموروث العثماني ولم يُغير في الوضعية القانونية للدروز. إنما جاء التحّول في هذا السيّاق بعد إقامة دولة اسرائيل.
امتازت السياسة الاسرائيلية وقبل ذلك سياسة الحركة الصهيونية بمشاريع متكررة تهدف إلى توظيف العقدة "الأقلوية" لدى الدروز سياسيًا واستخدامها كأداة أمنية في التعامل مع المحيط العربي. تعزز اهتمام الحركة الصهيونية بالدروز في أعقاب اندلاع ثورة فلسطين الكبرى عام 1936. حيث سعى قادة هذه الحركة إلى البحث عن حلفاء انطلاقًا من فكرة تحالف الأقليات ضد الأكثرية العربية المسلمة. هذا التفكير بدأ بالتبلّور عمليًا على خلفية اندلاع ثورة فلسطين الكبرى بين الأعوام 1939-1936. الاستراتيجية الأمنية الساعية إلى تسييس الخصوصية الدرزية وتوظيفها أمنيًا انعكست في مشاريع عدّة أهمّها مشروع الترانسفير الذي أُعد عام 1939، والذي هدف إلى تهجير الدروز من الجليل والكرمل طوعًا إلى حوران في جنوب سوريا وتوطينهم هناك حيث أجرى بعض زعامات الحركة الصهيونية، أهمهم ابا حوشي، اتصالات مع الزعيم الوطني السوري سلطان باشا الأطرش بهذا الخصوص. إلا ان المشروع الصهيوني لم يلق تجاوبًا لدى الأطرش. كان بعض القادة الاسرائيليين مغمورين بنشوة النصر في حرب 1967 وطرحوا مشروع إقامة دولة درزية في حوران والجولان كمنطقة فاصلة بين اسرائيل وسوريا (أفيفي, 2007, ص 363-365).
أما على الصعيد الداخلي فجاءت سياسة الدولة لفصل الدروز عن محيطهم الثقافي والقومي من خلال الاعتراف بهم كأقلية دينية، ومن ثم كمجموعة قومية عام 1956، وإقامة محاكم خاصة بهم عام 1963 ليستبق ذلك قرار فرض التجنيد الاجباري عام 1956 الذي استطاعت الدولة تمريره مستغلة الأحوال الأقتصادية والعقدة "الأقلوية" والتحالفات مع الزعامات التقليدية. في العام 1969 اتخذّت السلطات الإسرائيلية قرارًا بإلغاء الاعتراف بعيد الفطر كأحد أعياد الدروز، وفي الوقت ذاته اعترفت بزيارة النبي شعيب في حطين كمظلة رسمية، وذلك إمعانًا في سياسة الفصل عن المحيط العربي الإسلامي (لوستيك,1985, ص 139-40).
إلا ان سنوات السبعين بدأت تشهد تصاعدا ملحوظا في مظاهر الاحتجاج عند الدروز ضد سياسة الدولة. جاءت نتائج التصويت للانتخابات البرلمانية لعام 1969 مؤشرًا أوليًا على تزايد مشاعر الإحباط والنقمة على السياسة العامة للدولة، حيث حصلت قائمة الحزب الشيوعي على ما يقارب 10% من مجمل أصوات المقترعين الدروز. أُعقبت هذه بحدث -شكل نقلة نوعية في مأسسة عملية الاحتجاج ضد سياسة الدولة- والذي تمثل- وللمرة الأولى- بتأسيس إطار مُنظم صار لاحقًا مرتبطًا عضويًا بالجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ألا وهو تأسيس لجنة المبادرة الدرزية والتي أعلن عن تأسيسها في شهر آذار عام 1972 في اجتماع عقد في منزل الشيخ فرهود فرهود في قرية الرامة. تبنى الاجتماع الذي انعقد النداء الذي وجّهه الشيخ فرهود إلى ابناء طائفته لغاية 1971 وحدد فيه معالم النضال ضد السلطة ومواطن الغُبن والإجحاف اللاحقة بالدروز، حيث أشار إلى ثلاث نقاط رئيسية: فرض التجنيد الإجباري، ومصادرة الاراضي خصوصًا في الرامة وبيت جن والبقيعة والمغار ويركا، والتدخل في الشؤون الدينية للطائفة من خلال إلغاء عيد الفطر واستخدام الزيارات الدينية لأهداف سياسية.
نجحت اللجنة في تقديم عريضة حملت 8000 توقيع، رفعت إلى رؤساء الدولة، طرحت فيها أربعة مطالب أساسية هي:
1- إلغاء الخدمة العسكرية.
2- عدم التدخل في الشؤون والأعياد الدينية.
3- الكف عن مصادرة الأراضي وإعادة ما صودر.
4- تقديم الهبات والمساعدات المالية الفنية اللازمة لتطوير القرى الدرزية (لجنة المبادرة العربية الدرزية 2005 ص 16-18).
أثارت هذه التطورات قلقًا حقيقيًا لدى السلطات الإسرائيلية، حيث اعتبرت السلطات تزايد التأييد للحزب الشيوعي وتأسيس لجنة المبادرة مؤشرات على تراخي حلف الدم بين الدروز واليهود. لذلك لجأت الدولة في العام 1974 إلى تأسيس لجنتين، الأولى لجنة برلمانية برئاسة رئيس لجنة الداخلية التابعة للكنيست شخترمان، والثانية لجنة الحكومة لشؤون العرب برئاسة الدكتور جبرائيل بن دور. قدمت اللجنتان توصياتهما في العام 1975. قدمت لجنة شخترمان توصيات مُفصلة وتطرقت إلى مجالات عدّة أهمها الاراضي، الخرائط الهيكلية، التطوير الاقتصادي، الميزانيات، والتعليم وغير ذلك. إلا ان توصياتها في مجال التعليم تكتسب أهمية خاصة لأنها دلّت على الأهداف الوظيفية التي يجب أن يؤديها جهاز التعليم الرسمي لدى الدروز. خلصت اللجنة إلى ما يلي:
1. تشكيل طاقم في وزارة التربية والتعليم يكون مؤلفا من مثقفين دروز ويهود بحيث يكون هذا الطاقم مكلفًا بمعالجة ملف التعليم لدى الطائفة الدرزية.
2. إدخال مفهوم الوعي الدرزي-الإسرائيلي في مناهج التعليم المعمول بها في المدارس الدرزية.
3. يتوجب ان يكون كل المعلمين والمربين في المدارس الدرزية من أبناء الطائفة الدرزية.
4. يجب دعوة ضباط جيش متقاعدين وذوي الاعاقات من الدروز (الذين اصيبوا خلال خدمتهم العسكرية) لإلقاء محاضرات أمام طلاب المراحل العليا حول خدمتهم في الجيش وذلك للمساعدة في تسهيل استيعاب هؤلاء الجنود الشباب عند انخراطهم في الخدمة العسكرية.
5. فسح المجال أمام لجان الآباء وأقسام التعليم في المجالس المحلية في القرى الدرزية لطرح تصور حول مدى ملاءمة معلمين ليسوا دروزًا لأداء مهنة التعليم في القرى الدرزية.
6. إقامة نوادٍ شبابية في كل القرى الدرزية يتم تمويلها من الأموال الخاصة بالصندوق.
7. دمج كل المدارس في القرى الدرزية في الجدناع (الحركة الشبابية العبرية) حيت تميل اللجنة إلى تفضيل تأسيس حركة مشتركة لليهود والدروز من أن يكون هنالك حركة شبابية-عبرية خاصة بالدروز دون غيرهم.
8. زيادة عدد الطلاب الدروز في كليات إعداد المعلمين ومنح تسهيلات خاصة للشباب الدروز الذين أنهوا خدمتهم العسكرية الاجبارية وكذلك الأمر بالنسبة لجنود الاحتياط (فراج, 2012, ملحق رقم 1, ص 11).
أما فيما يتعلق بلجنة بن أور، فقد أوصت اللجنة بصريح العبارة بفصل المدارس الرسمية في القرى الدرزية عن دائرة التعليم العربي ووضع برامج تعليم خاصة بالدروز، أي وضع كتب تعليم في مواضيع العربية والعبرية والتاريخ والجغرافيا خاصة بالدروز دون غيرهم، مع استحداث موضوع التراث الدرزي وذلك لتطبيق الرؤيا التي وردت في نصّ توصيات اللجنة حيث جاء فيها ما يلي:
قررت اللجنة أن هنالك حاجة ماسة لتقوية الوعي الدرزي من خلال إعداد منهاج تعليم خاص بالمدارس الدرزية. يعبر أعضاء اللجنة عن قلقهم من أن الطلاب الدروز لا يحصلون على فرصة للتعرف على تاريخ طائفتهم ودينهم وعاداتهم، وبالتالي تؤكد اللجنة أن تطبيق هكذا برنامج تعليمي في هذه المجالات سيؤدي حتما إلى زوال الشعور السائد بالإحباط والناتج عن مشكلة الهوية (فلاح, 2000, ص 164).
في هذا يقول الباحث ماجد الحاج: "في مقابل التغييرات التنظيمية حدث هنالك تحول هام في برامج التعليم من حيث تعزيز الهوية الدرزية والخصوصية الطائفية"(الحاج, 1996, ص 104-122). أما سلمان فلاح الذي عُيّن من أجل إنشاء وحدة التعليم الدرزي فيقول: "رأى الكثيرون أن معالجة ملف الدروز في إطار الدوائر العربية في الحكومة هي أساس العلة" (فلاح, 2000, ص 195).
في عام 1975 أوضحت وزارة التعليم الأهداف المتوخاة من جهاز التعليم الدرزي حيث حُددت كالتالي: تأسيس التعليم على قيم الثقافة الدرزية العربية. انجازات العلم الحديث وسعي إسرائيل إلى السلام مع جيرانها وحب الوطن والولاء لدولة إسرائيل. هذا إضافةً إلى تعزيز العلاقات المُميزة بين اليهود والدروز وتوسيع الإلمام بالثقافة اليهودية وبلورة الكيان الدرزي الإسرائيلي. تطبيقًا لهذه الأهداف، بُدئ منذُ العام 1975 بوضع منهاج وبرامج تعليمية خاصة بالمدارس الدرزية في مواضيع التاريخ، اللغات -العربية والعبرية- واستحداث موضوع التراث الدرزي الذي حظي بمباركة القيادة الدينية التقليدية، بعد أن ضمنت أنّ تدريس التراث لن يتضمن أيًّا من النصوص الدينية السرّية الخاصة بالمذهب الدرزي (حلبي, 1997, ص 22-24). وان لم يكن مُعلنًا بصريح العبارة من وراء وضع برنامج تدريس خاص بالمدارس الدرزية من قبل لجنة خبراء دروز ويهود، كان تعزيز ولاء الجيل الصاعد للدولة وتعزيز الهوية الطائفية الإنطوائية المنعزلة عن المحيط العربي والإسلامي. المنطق التربوي والأيديولوجي الذي طُبق في مجال تدريس العربية والعبرية، التاريخ والتُراث كان تأكيدًا على الخصوصية الدرزية وبلورتها بمعزل عن محيطها الذي وُلدت منه، وتعاملت معه منذ القرن الحادي عشر. (يتبع)
