نشمُّ ونذوقُ

single

زار جسدي داء السكريّ في نيسان 1995 وعلى الرغم من أنه ضيف ثقيل ولا شيء فيه من حلاوة السكر تفاهمتُ معه مُرغماً وما زلنا على علاقة ثابتة حدّدت الخطوط الحمراء لكلينا.
علم يومئذٍ صديقي سميح القاسم بضيقي النفسيّ من هذا الضيف "الزنخ" فهاتفني وأخبرني أنه سيعودني في عصر ذلك النهار في طريق عودته من عمله في صحيفة "كل العرب" في الناصرة إلى بيته في الرامة.
دخل أبو محمد بيتي مرحاً باسماً كعادته وبعد العناق والسلام قدّم لي هدية رزمتين ملفوفتين بأناقة وقال: افتحهما مثل عادة إخوتنا المصريين.
كان في الرزمة الأولى زجاجة عطر "أفترشيف" ثمينة ذات رائحة خلابة وكان في الرزمة الأخرى علبة حلوى من طيبات مدينة الناصرة التي يتلمظ فم المرء حين يراها.
سألني سميح: ماذا تقول الهدية؟
أجبتُ: تقول لي: شُم ولا تذوق.
ذكرني أخي أبو محمد بهذه الطرفة الذكية اللطيفة التي لا تنسى يوم الأربعاء الماضي 7-12-2011 حينما عدته في بيته العامر مع الصديق عصام خوري ووجدنا عنده صهره يوسف إسماعيل الصحافيّ المعروف الذي قدم البرنامج التلفزيوني "الأسبوع في ساعة" في التلفاز الإسرائيلي لعدة سنوات.
تشعّب حديثنا حول قضايا عديدة تتعلق بالمواطنة وبمشاركتنا في انتخابات الكنيست وبالنضال السياسيّ وبعلاقتنا مع شعبنا الفلسطيني في المناطق المحتلة ونضاله من أجل إنهاء الاحتلال ومن أجل الحرية وإقامة دولته المستقلة.
منذ عام 1948 ونحن، الأقلية العربية الفلسطينية في هذه الدولة، نناضل بلا هوادة كي نكون مواطنين في وطننا فالمؤسسة الإسرائيلية الصهيونية لا تريدنا وترفض أن تعطينا المواطنة التامة وما زالت رؤوس عديدة في هذه المؤسسة تفكر وتحلم بترحيلنا.
هذا الكلام ليس من أدب اللامعقول، بل هو حقيقة تنصّ عليها تصريحات مسؤولين كبار ومستندات رسمية ووثائق عديدة.
حققنا انجازات هامة طيلة هذه العقود فقد أسقطنا الحكم العسكري وحافظنا على لغتنا العربية وعلى تراثنا وعلى هويتنا العربية الفلسطينية.
كان عندنا بلديتان ومجلس محلي واحد وأما اليوم فعندنا إحدى عشرة بلدية وما يزيد على خمسين سلطة محلية وعندنا لجنة متابعة ولجنة قطرية لرؤساء السلطات المحلية ولجان للتعليم وللصحة ولأولياء الأمور كما عندنا العديد من مؤسسات المجتمع المدني.
كانت الجامعات مقفلة أمام أولادنا وأما اليوم فعندنا الآف الطلاب الجامعيين في البلاد وفي الخارج وعندنا الاف الأكّاديميين منهم أطباء متفوقون وقضاة يشار إليهم بالبنان ومحاسبون ومحامون ومهندسون وعلماء وأدباء وشعراء وفنانون ورياضيون وغير ذلك.
ناضل أهلنا في الخمسينات من أجل بناء غرفة دراسية ورخصة بناء بيت وتعبيد شارع ومن أجل هوية وجواز سفر وعيادة طبية.
لم تمنحنا السلطة ذلك حبّاً بنا ولسواد عيوننا.
عرفنا كيف نستغل الهامش الديمقراطي لمواطنين من الدرجة الثانية وأما اليوم وبعد سلسلة القوانين العنصرية التي تتسابق الأحزاب الصهيونية بتشريعها (لا فرق بين ائتلاف وبين ومعارضة) فان هذا الفسحة من الديمقراطية التي عملنا فيها وتنفسنا فيها قد ضاقت حتى كأنها صارت "شم ولا تذوق"، وعلى الرغم من ذلك فان التجربة الغنية التي اكتسبناها تعلمنا أيضاً كيف نشمّ وكيف نذوق وكيف ننجز.
والبركة كل البركة في الجيل الصاعد.

قد يهمّكم أيضا..
featured

المعركة على المواطنة

featured

الممر (المَعفار)

featured

نقطة التحوّل المطلوبة

featured

المناضلة طرب عبد الهادي

featured

تنظيم عنصري خطير<br>بركة: محاسبة الحاخامات امتحان آخر لمصداقية القضاء

featured

حزب شاس جزء من المشكلة فهو شريك دائم في الائتلاف الحكومي

featured

الفرعون مرسي؟!!