لغة الحرب

single

لغة الحرب قديمة قِدم ظهور الإنسان على هذه البسيطة. بدأ استعمالها مع سِفر التكوين يوم طرد الخالق أبوينا آدم وحواء من الفردوس ليهبطا على الأرض حيث صرع قابيل أخاه هابيل.
إذا قبلنا هذا الكلام نكون حتمًا أبناء عُصاة الله وأبناء قابيل سافك دم أخيه!
لم تمتْ لغة الحرب هذه فهي باقية حية تُرزق في كينونتنا وكيان حياتنا هذه الأيام وتحديدًا في شرقنا الأوسط.. نسمع هذه اللغة بسواد إيحاءاتها ونشاز إيقاعاتها في ديارنا حيث يعتزل العباد لغة المودة والابتهال ليحترفوا لغة الحقد والاقتتال.
لغة الشقاق متداولة في كل مكان فحوارنا أمسى حوار رصاص فيه انتكاس وانتقاص.. انتكاس فيه انكفاء مبادئ الناس وانتقاص لبهاء الرُسل وتطويب لآثام الوسواس الخناس.
في متابعتي لما يحدث من قبائح في حياتنا أقف عاجزًا عن استيعاب تسميات نطلقها من حين إلى حين ونحن نتحدث عن الحوار الدموي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
كيف يحاور صِبْيَة فلسطين مجنزرات الجيش الإسرائيلي وانتهاكات المستوطنين؟
يحاولون محاورتهم بقذف الحجارة والحصى، فيأتي الرّد الإسرائيلي بالرصاص المطاطي وغير المطاطي والقنابل والغاز وبشائع سياط الإذلال!
يحاور الإسرائيليون أهلَ غزة بالتجويع والحصار، فيلجأ المحاصرون لحفرِ الأنفاق ليطلقوا من بؤر منصاتها الصواريخ العشوائية التي تترك حُفرًا في ارض مفتوحة قد لا يتأذى فيها الفراش والعصافير، فينهض بنو إسرائيل على صهوات طياراتهم ومروحياتهم يقتلون ويهدمون البيوت على رؤوس أصحابها.
بحوارهم هذا يبّز الإسرائيليون المحاورين الفلسطينيين. الحجر يتفتت في محضر القنبلة، والقذيفة الصاروخية البدائية تتهاوى أمام التقنيات القتالية فالعين سرعان ما تفقأ في مناطحتها المخرز!!
يُبدع الساسة والمحللون الإسرائيليون في اختيارهم مفردات غريبة عجيبة ليحاوروا بها أعداءهم الفلسطينيين. في الماضي أسموا دخولهم إلى غزة (الرصاص المصبوب) مبتغين صبّ الرصاص على رؤوس أطفال  فلسطين واليوم نجدهم يُدخلون اسمًا جديدًا لاقتحامهم غزة هاشم.. إنها حملة (الجرف الصامد)! من الملاحظ انه في تسميتهم هذه أرادوا إفهام العالم ان جُرفهم صامدٌ وصلدٌ بصخوره وشموخه أمام الغزاة من أهل غزة!
في خضم هذه المفردات اضحك وأنا اسمع حديثهم عن الهدنة الإنسانية وأتساءل: هل الهدنة الإنسانية تُولد بإنسانيتها هذه من رحم حرب (إنسانية)؟! هل الذي يحدث في غزة حرب إنسانية؟ متى كانت الحروب إنسانية؟! إن هذه الحرب اللاانسانية تحصد أرواح الشباب من الطرفين. إنها حربٌ بشعةٌ تُحوّل بأسَ شعوبنا إلى بؤس ويأس جارفة فرص السلام إلى ابد الآبدين. بالتفاهم والمودة وبحوار حضاري لا يتسع لحوار الرصاص وحوار الاستيطان نخطو جميعًا نحو السلام... بجلوس العرب واليهود في زورق واحد نشيّد مملكة السلام.
ما أجمل الانتماءات المختلفة!! ما أجملها ان تنضوي تحت راية واحدة! قبل أيام شاهدت جدارية بشرية في محيط مقبرة كفرياسيف.. كان ذلك يوم وفاة المرحوم المربي شحادة مخولي والد الصديق الأب عطاالله مخولي..
لقد وقف إلى جانبه لتقبل تعازي المشيعين الشيخ الدرزي والإمام المسلم والمطران والكاهن المسيحيان. إنها جدارية إنسانية تقطر خيرًا ومحبة.. فيها محبة الوطن وأهل الوطن.. جدارية تحيط بها جدران المودة.. جدران ترفض التشرذم الذي يريده لنا العنصريون الحاقدون هنا وهناك.
ليقف الإسرائيليون والفلسطينيون أمام جدارية البقاء هذه، عساهم يتعلمون الخير والعِبر.
قد يهمّكم أيضا..
featured

وحدة الاستيطان الفاسدة

featured

هناك إرهاب....وهنا مُقاوَمة

featured

أول ضحايا الازمة الاقتصادية هم العمال العرب

featured

ليسقط مخطط بيع "خان العمدان"..!

featured

هل نسير نحو دولة واحدة!

featured

حتى متى انتصار الشر على الخير

featured

ليكن عام عدالة، مساواة وحرية

featured

كلامهن المسروق، صمتهن المستباح