في الثامن من آذار ستزلزل البلاغة زلزالها السنويّ الهادر احتفاءً بالنساء. وستعمل فرق الإنقاذ جاهدة ودون جدوى على انتشال صورتهن من تحت ركام الكلام المتداعي وقد انهار بنيانه المتعالي الخالي من مضمون صلب يسنده. وسيخرجن من تحت الأنقاض ينفضن عن وجوههن وعقولهن ما علق بها من غبار إنشائيّ كثيف ويركلن بأقدامهن المنذورة للحركة ما تحجّر على طريق خلاصهن الطويل من أقوال مأثورة كرسوم دارسة تهيج وتجيش لها عواطف علماء الآثار دون غيرهم. سينبري السياسيون الصغار منهم والكبار إلى الميدان الإعلامي مدججين بكلّ مفرداتهم الأثيرة عن المساواة و الشراكة الكفاحية وجرائم العنف ضدّ النساء والمرأة/الوردة والطائر الذي ليس "إلا بجناحيه يطير". وسيشحذون أسلحتهم الخطابية المصقولة في أكثر من نزال وسجال، بعد تعديل ضروريّ في طبيعة الذخيرة المستخدمة تستوجبه المناسبة، ليصوبوها، فيما يشبه استعراضاً عسكرياً مأخوذاً من فيلم ساخر لا يزيده التقعّر اللغوي إلاّ تهريجاً وسريالية، نحو ما يعرّف مرة واحدة في السنة: "النصف الثاني من المجتمع". إعدام مجازي علنيّ للنساء الحقيقيات المستميتات من أجل الحياة خارج الكلام الموزون المقفى والمصاب بالجفاف، تحت شمس رغباتهن وأشواقهن الوجودية للعودة إلى ذواتهن المصادرة وللسيادة على أجسادهن وأذهانهن الرازحة تحت وطأة العيون الساهرة "للأخ الكبير"، الذي تثير الأنوثة المستبصرة أشباح عجزه و مشاعره الدفينة بالخوف والنقص.
وإذ ينهضن صباح اليوم التالي سينظرن بأمل لا يهزم إلى الأفق الأزرق فوق غيوم الدخان المتصاعد من الخطب النارية: لقد نجين مرة أخرى، وصمدت تاء التأنيث ونون النسوة أمام الاجتياح المتنوّر لجحافل "الكرم الصوتيّ" الذكوريّ. وعليهن الآن استئناف المقاومة ضدّ الاحتلال الصامت لحيواتهن وكرامتهن وحقوقهن الإنسانية بالسعادة والإبداع والتحرر وتقرير المصير.
سيتفقدن جراحهن القديمة الجديدة بحنان وعزم الناجيات من موت احتفاليّ محقق: النصال هي النصال والجراح هي الجراح. كلامهن المسروق ، صمتهن المستباح، مسراتهن المهدورة، أعماقهن المحتلة، ذاكراتهن المحاصرة وكينوناتهن العصية على الامتلاك.
وسيمضين إلى حربهن اليومية البعيدة عن صخب المهرجانات: عاشقات وعاملات وحالمات ومفكرات وناعمات وغاضبات وفاتنات وحزينات وغامضات وواضحات ورائعات وقاسيات ووحيدات ورفيقات وزوجات ومطلقات وأرامل. وإنسانات. سيمضين إلى مستقبلهن بالخطى المتعثرة الواثقة ذاتها، وبالشغف العنيد ذاته، وسيطلقن سراح مستقبلنا جميعاً من أسر النصوص الجاهزة، و سيقلن كلامهن الرسوليّ فينا: الكلام الأكثر إعجازاً وبساطة، كلام الحياة وهي تولد من نطفة الغد.
