تقوم ممارسات الجماعات الإسلامية المتطرفة على ثلاثية أساسية مفرداتها هي رفض المجتمع القائم، واتهامه بعدم التطابق مع الشريعة الإسلامية، وأهم من ذلك ضرورة القيام بانقلاب لإزاحة الأنظمة السياسية العلمانية والديمقراطية وتأسيس الدولة الدينية
قررنا في عرضنا لنزعات التطرف الإيديولوجى الإسلامي وتعويقها للنمو الديمقراطي أن الحكومات الغربية ليست هي القوى الوحيدة التي تمارس السياسة. ذلك أن هناك حركات إسلامية متعددة معارضة للدولة العربية المدنية الراهنة، وهي تحاول الانقلاب عليها وفرض نموذج الدولة الدينية الذي يقوم على أساس رفض النظم السياسية الوضعية الراهنة، وتطبيق الشريعة الإسلامية وفق منظور رجعي ومحافظ لا علاقة له بالعصر الذي نعيشه، وما يقتضيه ذلك من تغيير الدساتير القائمة.
ومنذ فترة قريبة صرح المرشد العام الحالي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى ضرورة تغيير الدستور المصري وإعادة صياغته على هدى التوجيهات القرآنية.
وفي مناسبة اجتماعية صرح المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في حشد من قيادات المعارضة المصرية قائلاً "الدولة نحن أصحابها، أما النظام، يقصد النظام المصري الحالي، فيجب إزاحته وتغييره بأي صورة ممكنة". وهذا التصريح يعد بذاته دعوة للقيام بانقلاب على النظام السياسي الراهن مهما كانت الوسيلة، أي سواء سلمًا أو باستخدام العنف، لأن الدولة كما زعم هي دولتهم!
ويمكن القول إن هذه الحركات السياسية الإسلامية المتطرفة حاولت من قبل عن طريق الإرهاب الصريح تحقيق هذا الانقلاب السياسي، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعًا لأن الحكومات العربية نجحت في القضاء على منابع الإرهاب وتصفية الجماعات الإرهابية.
غير أن الجماعات الإسلامية المتطرفة عادت من جديد مستثمرة في ذلك موجة الإصلاح الديمقراطي في عديد من البلاد العربية، لممارسة العنف الفكري ضد الدولة العربية الراهنة تحت شعار "الإسلام هو الحل".
بل وتمكنت بعض هذه الحركات المتطرفة مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر في أن يصبح منها 86 عضوًا بمجلس الشعب الذي انتهت مدته. وتحاول هذه الجماعة في الوقت الحاضر إقامة التحالفات المتنوعة مع حركات المعارضة المختلفة مثل "الجمعية الوطنية للتغيير" التي سبق أن رأسها قبل أن تتفكك وتنقسم إلى شراذم متفرقة البرادعي الذي طرح نفسه فجأة على الساحة السياسية المصرية باعتباره مرشحًا محتملاً في الانتخابات الرئاسية القادمة.
وقد وضعت جماعة "الإخوان المسلمين" كتائبها المنظمة في سبيل جمع توقيعات على "بيان التغيير"، الذي دعا البرادعي الناس للتوقيع عليه، لكي تثبت أنها أقوى جماعات المعارضة المصرية تنظيمًا، بالرغم من إفلاسها الفكري لأنها لا تمتلك مشروعًا متكاملاً للنهضة، وفشلها السياسي بعد أن سحبت مشروعها لإقامة حزب سياسي تبين للناس جميعًا أنه ليس سوى وسيلة لإقامة دولة دينية يقودها "مجلس أعلى للفقهاء"!
وهذا ما دعانا في تحليلنا ونقدنا لهذا المشروع الخطير أنه تطبيق لمبدأ ولاية الفقيه على الطريقة السنية على غرار مبدأ "ولاية الفقيه" المطبق في إيران على الطريقة الشيعية!
ونحتاج لدراسة الحركات الإسلامية المتطرفة في مجال بحث دورها المعوق للإصلاح الديمقراطي، أن نرسم لها خريطة معرفية، لكي نحدد صورها وأنماطها المتعددة في المشرق والمغرب والخليج.
ويمكن القول إنه ليس هناك بلد عربي واحد يخلو من جماعة إسلامية متطرفة، مهما اختلفت المسميات، وتنوعت القيادات والزعامات. ونلاحظ أن الخطاب المتطرف الذي تروج له هذه الجماعات له سمات متشابهة في كل العالم العربي. وهو يبدأ عادة بنقد الوضع الراهن في المجتمعات العربية على أساس أنه مضاد لتعاليم الإسلام. وقد تتفاوت هذه الخطابات في درجة تطرفها، فهي أحيانًا تحاول النفاذ للوعى العام عن طريق استنكار الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية الراهنة وتدعو من بعد إلى تطبيق شعار "الإسلام هو الحل"، أي هو البديل عن كل الممارسات السائدة مهما كانت دستورية وديمقراطية وممثلة لصالح الشعوب.
غير أن هناك خطابات إسلامية أخرى متطرفة لا تتوانى عن تكفير المجتمع والدولة ذاتها على غرار الأوصاف التي سبق لمنظر العنف الإسلامي "سيد قطب" أحد قادة الإخوان المسلمين في مصر في كتابه الشهير "معالم على الطريق".
وهناك محاولات متعددة قام بها عدد من الباحثين العرب والأجانب لرسم خريطة الحركات الإسلامية المتطرفة المعاصرة. غير أنه يلفت النظر في هذا الصدد الكتاب المهم الذي أصدره مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة بعنوان "دليل الحركات الإسلامية في العالم"، والذي رأس تحريره "ضياء رشوان"، وقام بتنسيقه محمد فايز فرحات والذي صدر عام 2006.
وتلفت النظر المقدمة التي حررها ضياء رشوان، والتي أشار فيها بذكاء إلى خطورة التعميمات السائدة في حقل البحث العلمي حول هذه الجماعات.
بحيث – كما يقرر "بدت في النهاية وكأنها تأخذ أحد شكلين: إما أنها حركات وجماعات منفصلة عن بعضها بعضًا، ولا توجد بينها علاقات أو خصائص مشتركة، أو أنها تتسم بنفس الخصائص العملية والأفكار النظرية بما يضعها جميعًا ضمن كتلة صماء هي "الحركات الإرهابية العنيفة" حسب المصطلحات التي سادت بعد هجمات سبتمبر".
ولذلك كان ضروريًا رسم خريطة أدق لهذه الحركات الإسلامية على مستوى العالم بما يساعد على فهم دقيق لأفكارها وأفعالها ومواقفها، مما قد يسمح بالتنبؤ بسلوكها السياسي في المستقبل.
وقد درس هذا الدليل للحركات الإسلامية جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، وحزب "العدالة والتنمية" في تركيا، كنموذجين للحركات السياسية الاجتماعية ذات البرامج التي تسعى للوصول إلى الحكم بالطرق السلمية. كما درس حركة (حماس) وجماعة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية كنموذج لحركات التحرر الوطني المسلحة الإسلامية.
وبالإضافة إلى ذلك درس تنظيم "قاعدة" الجهاد باعتباره النموذج الأبرز حاليًا للحركات الإسلامية "الجهادية" دولية المجال والجماعة الإسلامية في إندونيسيا كنموذج مثالي للحركات الإسلامية "الجهادية" المحلية وذات الطابع الإقليمي، وأخيرًا دراسة جماعة "الجهاد" المصرية.
ومن الواضح من العرض السابق التعدد الشديد في أنماط الحركات الإسلامية وتنوعها فمنها حركات دولية النشاط وأخرى إقليمية وثالثة محلية.
ويبقى السؤال الذي أثاره من قبل ضياء رشوان هل هي جماعات منفصلة عن بعضها أم أنها متشابهة تصدر عن "رؤية للعالم" تتشكل من مفردات متماثلة؟ يجيب كتاب "دليل الحركات الإسلامية في العالم" بصورة علمية في ضوء دراسة تحليلية لأفكار ورؤى الحركات الإسلامية في القسم الثاني من الكتاب.
لكن هذا العنوان لا يعكس للأسف المضمون، وذلك لأنه عنى بالتحليل الدقيق لخطاب بن لادن باعتباره دراسة حالة متعمقة وركز من بعد ذلك على رؤى الترابي الزعيم الديني السوداني المعروف وعلى عبدالقادر بن عبد العزيز (سيد إمام الشريف) المصري زعيم حركة الجهاد.
وبالرغم من قيمة دراسات الحالة هذه، فإنها لا تساعدنا على فهم أفكار ورؤى الحركات الإسلامية التي تحتل الأسس الإيديولوجية التي قامت عليها هذه الحركات منذ إنشاء "البنا" لحركة "الإخوان المسلمين" في مصر عام 1928 حتى نشوء حركة "العدل والإحسان" في المغرب، والجماعة الإسلامية في الجزائر على سبيل المثال.
ونقصد بالأسس الإيديولوجية الحاكمة المنطلقات الكبرى التي قامت على أساسها هذه الحركات الإسلامية المتنوعة. ولو درسنا هذه الحركات لاكتشفنا أنها ليست حركات منفصلة، بل إنها في الواقع تنويعات على لحن واحد.
وهذا اللحن الواحد يتمثل في الرفض القاطع لنموذج المجتمع السائد في البلاد التي قامت فيها هذه الحركات، كالمجتمع المصري والمجتمع المغربي والمجتمع الجزائري، واتهام هذه المجتمعات بأنها "كافرة" أو "جاهلية" وإن لم تستخدم كل هذه الجماعات هذه الأوصاف على وجه التحديد.
وبناء على هذا الرفض والاتهام، فإن خطاب هذه الجماعات يدعو إلى الانقلاب على النظام السياسي القائم، كما حاولت جماعة الإخوان المسلمين أن تفعل ضد النظام الملكي الليبرالي الذي كان سائدًا في مصر منذ صدور دستور 1923 حتى ثورة يوليو 1952، وذلك من خلال "التنظيم السري" للجماعة والذي قام بسلسلة من الاغتيالات لبعض القادة السياسيين مثل النقراشي باشا رئيس الوزراء ولبعض رجال القضاء الذين حاكموا أعضاء من الجماعة وأدانوهم مثل المستشار الخازندار.
ومعنى ذلك أن كل هذه الجماعات الإسلامية المتطرفة – في تقديرنا - تقوم ممارساتها على ثلاثية أساسية مفرداتها هي رفض المجتمع القائم، واتهامه بعدم التطابق مع الشريعة الإسلامية، وأهم من ذلك ضرورة القيام بانقلاب لإزاحة الأنظمة السياسية العلمانية والديمقراطية وتأسيس الدولة الدينية.
هذا فرض تقدمه وتحتاج لإثباته أو نفيه أن تجرى دراسة حالات لجماعات إسلامية متطرفة في المشرق والمغرب والخليج لكي نخلص إلى نتيجة أساسية هي هل هذا الغرض صحيح أم أنه فرض لم تؤيده الأدلة والبراهين؟
* باحث مصري
