وداعًا دوف يرميا

single

في مطلع الشهر الحالي شباط 2016 انتقل الى رحمته تعالى صديقنا العزيز دوف يرميا عن عمر ناهز مائة وعاما واحدا قضاها في النضال المتواصل أولا من أجل بناء دولة اسرائيل وثانيا من أجل أن تكون دولة كل مواطنيها وتضمن حق الحياة الكريمة والديمقراطية للمواطنين العرب بمساواة حقيقية وبكامل الحقوق كمواطنين في دولة اسرائيل.
بعد أن أنهيت دراستي للقب الثاني في الجامعة العبرية في القدس وكنت أعمل في السنتين الأخيرتين معلما في كلية اللغة العربية في الجامعة لتعليم الكبار تم تعييني معلما للتاريخ واللغة العربية في مدرسة يني الثانوية في كفرياسيف عام 1960 . هناك في مدينة القدس وفي الحرم الجامعي كانت تربطني صداقات كثيرة أخوية ورائعة مع العديد من المدرسين والطلاب اليهود التقدميين والشيوعيين . ولما عدت الى مسقط رأسي كفرياسيف بحثت عن صداقات شبيهة فكان أن تعرفت على الصديق دوف يرميا منذ عام 1960 . كان دوف حينها يعمل مديرا لمنظمة حماية الطبيعة في الجليل . كان لقاؤنا الأول في كفرياسيف في محددة المرحوم أخي بولس حيث تعرفت على فكره المنفتح والتقدمي واحترامه لحق الانسان الفلسطيني في الحياة الحرة الكريمة . هكذا نشأت فيما بيننا علاقة صداقة متينة دامت طوال اربعين عاما لم تنقطع علاقاتنا طوال هذه السنوات حيث أقمنا جمعية سميناها حلقة التقارب اليهودي العربي في نهاريا وكفرياسيف وكان لها مقران الاول في بيته بنهاريا والثاني في بيتي بكفرياسيف . وقد انضم الى هذه الحلقة عشرات اليهود التقدميين المؤمنين بضرورة العيش المشترك والسلام والكثيرون من اصدقائنا العرب من مثقفي كفرياسيف والمنطقة المجاورة . قامت هذه الحلقة بالعديد من النشاطات والفعاليات الاجتماعية والثقافية والرحلات الاستطلاعية في منطقة الجليل الى جانب العديد من المحاضرات حول موضوع محادثات السلام وامكانيات العيش المشترك . وأهم نشاط قمنا به كان فتح صفين لتدريس اللغة العربية الفصحى والعامية في نهاريا انضم اليهما العديد من مثقفي نهاريا والكيبوتسات المجاورة وكنت أدرس الصفين في ساعات المساء طوال أكثر من ثلاثين عاما.
كان دوف كما ذكرنا قد اشترك في صفوف الجيش الاسرائيلي منذ سنوات الأربعين من القرن الماضي برتبة مقدم وقائد كتيبة. وقد أنيطت به مهمة احتلال بعض القرى العربية مثل كويكات وعمقا والبروة وشفاعمرو والناصرة . وكان يؤكد أنه كان يقاوم عمليات هدم القرى وطرد أهاليها، الا أن قيادة الجيش كانت تنقله الى جبهة جديدة في كل مرة ارادت هذه القيادة هدم القرى المحتلة ولم يستطع العودة لمنع عمليات الهدم كما صرح أكثر من مرة.
عرف الصديق دوف كانسان يساري النهج تقدمي الفكر محبا للسلام وداعية له ومناضلا لا يعرف الهوادة ضد العنف وضد التطرف الصهيوني وضد الكهانية البغيضة كما كان يسميها. هكذا شارك في العديد من المظاهرات ولكن أكثر مشاركة ذاق فيها طعم الضرب والاهانة كانت المظاهرة التي نظمتها الحركات اليسارية ضد كهانا والكهانية في مدينة القدس حيث هاجمه متطرفو الكهانية وزعران اليمين المتطرف بالعصي وذاق طعم العنف المبالغ فيه على جلده ولكنه لم يتراجع عن مواقفه المشرفة ضد اليمين وضد العنصرية .
انضم دوف الى حركة السلام الآن وحركة خط أحمر وحركة يهود وعرب ضد الاحتلال.
اهتم دوف باللغة العربية وكان من الطلاب المجتهدين جدا يحضر كل الدروس الليلية ويشجع من لا يتكلمون العربية للانضمام الى دورات تعلم العربية. ولما ازداد عدد طالبي الانتساب الى هذه الدورات اتخذنا بيت افرات في نهاريا مركزا لهذا النشاط الذي دام قرابة ثلاثين عاما وقد تخرج من هذه الدورات عشرات الخريجين اليهود المتقدمين في السن.
اهتم دوف بعملية السلام والمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية ولم يترك مناسبة الا وكان ينشر المقالات الداعية الى احترام الحق الفلسطيني في اقامة دولة فلسطينية على أرض فلسطين وبحق العودة للاجئين الفلسطينيين الى وطنهم المقدس فلسطين وكان ينشر افكاره هذه في الصحف العبرية خاصة جريدة هآرتس وكنت أترجم له كل مقالاته الى اللغة العربية لتنشر في جريدة الاتحاد. وقد عرفت هذه المقالات بالجرأة والصراحة اللتين ميزتاه في هذا المجال .
نذكر أنه عندما لاحت أخبار نية اسرائيل في الهجوم على لبنان عام 1982 حاولنا معا أن نجمع التواقيع على عريضة تطالب قادة اسرائيل بعدم شن الحرب على لبنان. ولكنه بعد أن فشلنا في منع الحرب أعلن استعداده للتطوع في الخدمة العسكرية بالرغم من كبر سنه وكان حينئذ قد بلغ الثامنة والاربعين من عمره فعين ملحقا للجيش في لبنان لاصلاح ما قد يهدمه الجيش في طريق احتلاله. عمل دوف في هذه الفترة بالتعاون مع قوى اليسار اليهودي التقدمية وشاركناه في جميع فعالياته لدعم اللاجئين الفلسطينيين الذين اصابهم الكثير من الضرر والتشريد وهدم البيوت لأنه وراء الجيش يأتي الخراب والشوك والدمار . فكنا نجمع الملابس الدافئة للمخيمات الفلسطينية في لبنان والجزمات والدفايات والحرامات وغيرها وفوق كل مساعدة قمنا بشراء مجموعة غرف أقمنا فيها مدرسة من البناء الجاهز (الطرومي) في احد مخيمات صيدا الا أن طائرات اسرائيل قامت بضربها وهدمها!
بانتهاء الحرب جمع الصديق دوف يرميا مذكراته التي كان يكتبها يوميا أثناء الحرب وأصدر كتابا باللغة العبرية ترجم فيما بعد بلبنان الى اللغة العربية بعنوان "يومياتي في حرب لبنان" وهو كتاب قيم جدا فيه وثائق دامغة عن الأعمال غير الانسانية التي كان يرتكبها جنود الجيش الاسرائيلي الذين يدعون نزاهة السلاح ! بانتهاء الحرب وتوقف نشاط حلقة التقارب اليهودي العربي التي كان مستشار رئيس الحكومة يقاوم نشاطها تفرغ دوف لمساعدة ودعم القرى غير المعترف بها. وكان يقوم بزيارات متعددة الى قرى الكمانة الغربية والحسينية وغيرها وعملنا معا على اقامة روضات للأطفال هناك ثم صفوف بستان ، وكان دوف يجيد العزف على الأورغ فزودناه بكلمات والحان بعض اغاني الروضات وصفوف البساتين وكان يعزف للصغار على الأورغ ويعلمهم كلمات الاغنيات وألحانها كما عمل كثيرا على دفع سلطات الدولة للاعتراف بالقرى غير المعترف بها وتوفير بعض الخدمات الضرورية كايصال شبكة المياه وتعبيد بعض الشوارع وما الى ذلك . هكذا أحبه الصغار وكانوا ينادونه بلقب سيدو دوف او الجد دوف وكان يعتز بذلك كثيرا .
أخيرًا وعندما بلغ التسعينات من عمره ولم يعد قادرا على التنقل بسهولة انتقل من نهاريا الى كيبوتس ايلون حيث كان قد عمل على انشاء هذا الكيبوتس في أعالي الجليل وكانت هناك ابنتاه ولا تزالان تسكنان هناك حتى اليوم.
يذكر أنه بعد خروجه الى كيبوتس ايلون لم يتوقف عن الكتابة بل تابع نشاطه وكتاباته وما زلت أذكر ما كان قد كتبه حول حلمه الاساسي منذ صباه ومنذ أن عمل كجندي في الحرب العالمية من أنه كان يحلم باقامة دولة ديمقراطية على أرض فلسطين تكون دولة لكل مواطنيها. فماذا كتب؟
كتب ذات يوم ان دولة اسرائيل التي كان يحلم باقامتها ليست هي هذه الدولة بقادتها اليمينيين الذين يتنكرون لحق الانسان الفلسطيني بالعيش بكرامة. قال: ليست هذه اسرائيل التي كنت أحلم بها في نضالي العسكري لاقامتها بل كنت أحلم بدولة تعيش بسلام مع جيرانها في الدول العربية وتعترف بحق الانسان الفلسطيني بالعيش الحر الكريم وبالمساواة في جميع الحقوق وبحق عودة اللاجئين لأن الحركة الصهيونية هي المسؤولة عن لجوئهم. وأضاف كنت أريد دولة لا تفرق بين العربي واليهودي ، بين المسلم والدرزي والمسيحي، بين الغني والفقير، وباختصار دولة نموذجية ولكنه انتقل الى الرفيق الأعلى ولم يحقق ما كانت نفسه تصبو اليه.
إننا نحني رؤوسنا اجلالا واحتراما لمواقفه الانسانية ولأنه كان مناضلا جريئا من أجل الفلسطينيين ومن أجل المساواة بين الانسان العربي واليهودي ونقول لقد خسرناه وسوف نفتقده لأن القليلين من اخواننا اليهود يؤمنون مثله بهذا الايمان. فلأهله وذويه وجميع محبيه ولجميع قوى السلام والديمقراطية من اليهود والعرب الذين يسيرون على هديه نقول عزاؤكم جميل وصبركم أجمل تغمده الله برحماته.
(كفرياسيف)
قد يهمّكم أيضا..
featured

إسرائيليّون يقتلون إسرائيليين

featured

يسار سياسي واجتماعي

featured

واحد وستون للنكبة أم واحدة وستون نكبة!

featured

عام على هدم العراقيب، وماذا بعد؟

featured

الأنفاق نتيجة لسياسة العدوان الطويلة

featured

كل عُمُر كراكوز بلا سرايا

featured

لا أثق بكم حتى لو رجع خاتم جان دارك

featured

الوحدة الفلسطينية عرس والتشرذم مأتم ورمس!!