شنّت أجهزة الإعلام حملة شعواء على اللاعب لويس سواريس، لاعب منتخب الأورغواي وفريق ليفربول لأنّ التّصوير التّلفزيونيّ أظهره يعضّ منكب كيليني لاعب المنتخب الايطاليّ في أثناء مباراة الأورغواي – إيطاليا في مونديال البرازيل.
ولويس سواريس – كما تعرفون – لاعب كرة قدم ماهر يخشاه خصومه في الفرق المنافسة ويحبّه مؤيّدوه، وقد أطاحت كراته السّريعة والدّقيقة واللولبيّة بمنتخب بريطانيا (أم كرة القدم) وساهمت في هزيمة منتخب إيطاليا العريق. وسواريس ذو أسبقيّات في عضّ اللاعبين من الفريق الخصم فقد عضّ قبل عام لاعبا من فريق تشيلسي، وقد يكون سواريس عضّاضا أو عضوضا. ونحن القرويّين الذين كنّا نلعب في الحارات وعلى البيادر لعبة "المباطحة" وهي لعبة المصارعة في لغة اليوم ندرك أنّ الخصم إذا تضايق ولم يحتمل الخسارة أو الهزيمة يلجأ إلى أسنانه فيعضّ خصمه. وكان اللاعب في أيام فتوّتنا يشترط على اللاعب المنافس "بدون عضّ وبدون شَرْكَلَة". ولعلّ الفعل الرباعيّ "شَرْكَلَ" نُحِتَ من الفعلين شرك وركل ومعناه أن يستعمل قدمه وساقه شركا للخصم.
تعرّض لويس سواريس لضربات موجعة على ساقيه وبطنه في أثناء المباراة ضد منتخب إيطاليا ممّا أفقده أعصابه وروحه الرّياضيّة فهجم بأسنانه على منكب كيليني ولم يره أحد من حكّام المباراة.
لا أبرّر ما فعله سواريس ولا أقلّل من الخطأ ولكنّني أتساءل: منذ متى يُعاقب لاعب على ما نشاهده في التّلفاز ولو اعتبرنا صور التّلفاز شهودا لأُلْغِيَتْ أهدافٌ وأُحتُسِبَت ضربات جزاء لم يرها الحكّام.
حكمت محكمة الفيفا على سواريس بعقاب وخيم ولكنّ الحكم الأصعب والأقسى كان ما نشره عشّاق كرة القدم على صفحات التّواصل الاجتماعيّ فقد رسموه كلبا عضوضا وطالب البعض أن يرافقه طبيب بيطريّ. والغريب أنّ كلّ هذا حدث في أيّام عصيبة يعيشها أبناء شعبنا الفلسطينيّ في الضّفّة الغربيّة المحتلّة وبخاصّة في الخليل وقضائها والمخيّمات حيث استباح جنود الاحتلال البيوت وعاثوا بها خرابا وفسادا وأرعبوا وأرهبوا الأطفال والنّساء والشيوخ.
وضع صحفيو إسرائيل (الذين يفخرون بحريّة الصّحافة) المهنة والأخلاق في الثّلاجة بل في المُجَمِّد وتجنّدوا للتّرويج لحملة عسكرهم الإرهابيّة التّخريبيّة على مئات الآلاف من أبناء الشّعب الفلسطينيّ وتلذّذوا وهم يصفون اقتحام البيوت وغرف النّوم ليلاً والبحث عن المخطوفين والخاطفين حتّى في البيض الذي في الثّلاجة وفي أصص الأزهار وفي أواني الكريستال وبلغت المهنيّة ذروتها عند مراسل موقع "واللا" في مدينة جنين حينما وصف مخيّم جنين بوكر ثعابين. وتفاخر مراسل آخر بأنّ زوجة طبيب إسرائيليّ يُعالج أطفالاً فلسطينيّين في المستشفى الذي يعمل فيه اقترحت على زوجها أن يكفّ عن إجراء العمليّات الجراحيّة لهؤلاء الأطفال.
يكتب هؤلاء الصّحافيّون الإسرائيليّون ويتحدّثون عن عضّة سواريس ويصفونه بالكلب المسعور ولكن ما أسهل عضّة سواريس إذا ما قورنت بعضّات جنود الاحتلال، وما أهون عضّة سواريس إذا ما قورنت بعضّات هؤلاء الصّحافيّين فاقدي الحسّ الإنسانيّ.
