ديمقراطيّة العائلة

single

ما ولدت من جذع شجرة مثل أدونيس، وما أرضعتني الذّئبة مثل رومولوس، ولا الغزالة مثل حيّ بن يقظان، بل أنا مثل أبناء شعبي أنتمي الى عائلةٍ على الرّغمِ من أنّ النّكبة مزّقتها وفرّقتها في ثلاث قارّات وسبعة دول وعدد من المدن والقرى، وتربطني بأفرادها علاقة مودّة وصلة قربى بدون تعصّب قبليّ، وأحترم جميع العائلات الّتي هي نسيج هذا الشّعب الصّامد في وطننا الصّغير الجميل، ولكنّني فوجئت عندما قرأت قبل عقدين في صحيفة محلّيّة خبرًا لن أنساه عن انتخابات تمهيديّة في احدى العائلات الكبيرة في مدينة من مدن مثلّثنا الأخضر لاختيار مرشّح العائلة لرئاسة البلديّة، وجاء في الخبر أنّ عددا من أبناء العائلة أثنى على الجوّ الدّيمقراطيّ الحضاريّ الّذي رافق العمليّة الانتخابيّة، وهذا يعني أنّنا استعرنا اللعبة الدّيمقراطيّة الغربيّة ولفّعناها برداء التّخلّف العربيّ كي تلائم واقعنا وتتماشى مع التّعصّب العائليّ الّذي حاربه الدّين الاسلاميّ منذ أربعة عشر قرنًا وانتصرت عليه الحياة الغربيّة في القرن الماضي.
ويبدو أنّ عدوى "الدّيمقراطيّة العائليّة" انتقلت من عائلة الى أخرى ومن مدينة الى قرية حتّى صارت الانتخابات التمهيديّة أو باسمها الشّعبيّ "برايمرز العائلة" ظاهرة بارزة في معظم مدننا وقرانا، وصار طلّاب الرّئاسة يبذلون الجهد الكبير للفوز فيها، كما تحدّد لها تاريخ او موسم يقرّر بارومتر الصّراع العائليّ في المدينة أو البلدة طوله أو قصره.
انّ مشاركة المتعلّمين والجامعيّين في هذه الانتخابات أمرٌ مؤلم وأعتقد أنّ الانسان المثّقف لا يمكن أن يساهم فيها لأنّه يدري أنّها ترتدي ثوبَ الدّيمقراطيّة الزّائف وتنمّي التّعصّب العائليّ وتزرع الفرقة والتّنافر في المجتمع وتتنافى مع ما يحمله المثّقف من فكرٍ عصريّ. ولا شكّ أنّ تراجع الأحزاب في مجتمعنا وانحسار الهمّ الوطنيّ أدّيا الى عودة الصّراع العائليّ الّذي تراجع بعد يوم الأرض حينما خَفَتَ الصّوت العائليّ أمام الحياة الحزبيّة والهموم الوطنيّة والقوميّة.
ومن الغريب أنّ الباحثين والعلماء العرب - في بلادنا - في العلوم الاجتماعيّة والسّياسيّة، وهم علماء بارزون، لا ينتقدون هذه الظّاهرة ولا يندّدون بها حتّى بدا الأمر كأنّه مقبولٌ علينا، كما أنّ اتّكاء الأحزاب في بعض البلدات على العائلات الكبيرة في السّباق الانتخابيّ أعطى نفسًا قويًا للتّعصّب العائليّ.
برايمرز العائلة ظاهرة مقلقة لواقعنا المرّ وتزداد مرارتها عندما نعلم أنّ العائلات لا تسمح للنّساء بالمشاركة في الانتخابات التمهيديّة على الرّغم من أنّ عددهن يتجاوز الخمسين بالمائة من أصوات الحمولة.
نحن نعيش في أواخر العقد الثّاني من القرن الحادي والعشرين ونتصرّف بعقلية أناسٍ عاشوا في قرون خلت ونحاول أن نوهم أنفسنا بأنّنا عصريّون وديمقراطيّون.
الى متى يصمت مثّقفونا وأحزابنا العلمانيّة والاسلاميّة على هذه الظاهرة!؟                                   


قد يهمّكم أيضا..
featured

لبنانيات: ديموقراطية التوافق وديموقراطية الأكثرية

featured

التاسع من كانون الأول 1987 .. تاريخ مسجل بأحرف من نور

featured

وشكرًا لحكومة الغباء

featured

ابتسامات إن لم تُعلِّم..تُعلِّم (2)

featured

عندما يهجع عنصر الخير في الانسان تكون الشرور

featured

قوة الوحدة والتوحد اساس المعركة في التحرر من الاحتلال وبناء المستقبل

featured

عقول فاشية تتفنّن بالقمع

featured

آه ما أجمل قتلكم لنا