وشكرًا لحكومة الغباء

single

*من يُحيي ذكرى النكبة في يوم "الاستقلال" قد يُسجن.. ببساطة: طز! طز في كل قانون ظالم وجائر حتى لو ارتدى أبهى قناع ديمقراطيّ، وحتى لو تم انتاجه بأحدث تقنيات الديمقراطية الميكانيكية، بل المحوسبة. فالقانون الظالم مكانه القمامة. والديمقراطية الظالمة مكانها مزبلة التاريخ. وحين تتحول الديمقراطية الى مِسنّ يشحذ المهيمنون عليه حرابَ قمعهم، فلينكسر المسنّ قبل الحِراب!*

هكذا إذًا! فبموجب قرار حكومة اسرائيل 2009، هذا الأسبوع، هناك محاولة لسنّ قانون يمنعنا – الفلسطينيون الباقون وحلفاؤهم أصحاب الضمير –  من إحياء ذكرى النكبة. التدقيق يقتضي الإشارة أولا الى أن هذا المنع يقتصر على اليوم الذي يتزامن مع ذكرى "إستقلال اسرائيل". فذكرى النكبة بحسب التقويم المدني هو 15 أيار من كل عام. لكن بما أن اسرائيل تعتمد التقويم العبري، فإن ذكرى النكبة وذكرى "الاستقلال" لا تلتقيان في العادة، مدنيًا. مع أنهما وليدتا نفس الفعل الكولونيالي.
للوهلة الأولى تبدو المسألة بسيطة. لأنه يمكننا تجاوز ذلك القانون برشاقة لاعب جُمباز من خلال احياء ذكرى نكبة شعبنا بموجب التقويم المدني، وكفى الله الفلسطينيين الباقين شرّ الصّدام.. لكن هذا سيكون ضربًا من الجُبن بالطبع.
لقد راودني تساؤل هذه السنة حول الحكمة في قرار إحياء ذكرى النكبة وفقًا للتقويم الذي تعتمده اسرائيل الرسمية لـ "استقلالها". لكن قرار الحكومة الحالي غيّر الحال وأراحني من السؤال. فلو مرّ هذا القانون، يجب الإصرار والإعلان منذ الآن عن شعار "وَراك وَراك".. في العام القادم سنحيي ذكرى النكبة بالتزامن المتلاصق والمرافق والموافق لاحتفالات اسرائيل بـ "استقلالها".
يجب التنويه استدراكًا: إن وضع "الاستقلال" بين مزدوجين لا يأتي بدوافع المراهقة السياسية. بل للقول إن استقلال اسرائيل سيظلّ من وجهة النظر الفلسطينية (ونظيراتها في عيون أنصارها الكثيرين) توقيتًا لجريمة، لا غير، ما لم يتمتع الشعب الفلسطيني بنفس الحقوق والحال الذي تريده اسرائيل لنفسها. هذا اليومُ لا يزال اليومَ احتفالا على جثث وأنقاض وأحزان ضحايا المجازر والتهجير والتدمير الفلسطينيين. وطالما لم يتحقق التكافؤ الكامل بين الشعبين سنظلّ نشير الى "الاستقلال" بعلمٍ أسود من العتمة الحالكة، حدادًا على القتلى، وتسويدًا وتنغيصًا لمشاريع حكّام اسرائيل المنغلقين، وإشارة الى شعبها بأن: استيقظْ من نومك/كابوسك.
صحيح أنه اقتراح قانون مثير للغضب. ومن الطبيعي، وفقًا لجميع معايير اللياقة والأدب والرزانة المعتمدة، أن يكون الردّ عليه بعبارة تحتوي كلمة نابية واحدة على الأقلّ، بهذا الحجم أو ذاك. لكن الهدوء، لاحقًا، مطلوب ومتطلّب. فهو سيفتح البصيرة على أفق كامل من الارتياح السّاخر. ها هم المتغطرسون البلهاء يرتكبون خطأ من النوع الباعث على التشفّي.. فبعد فشل محاولات الترهيب البوليسي والتحريضي، وبعد تقوّض مخططات التجهيل، لجأوا الى المسخ المسمى "قانون" لترسيخ بُعد جنائيّ في فعل التذكّر. وكأن التذكّر فعل إراديّ يمكن التحكّم به عن بُعد. ما الذي ظنّوه؟ أن التلويح بعقوبة ثلاث سنوات من السجن بوسعه أن يردع ذاكرتنا عن التفاعل وممارسة الحياة وإنتاجها ولو حلمًا؟ أم أنهم اعتقدوا أن الوعي التاريخي والوطني قابل للتطريق والتطعيج؟ ولربما أوْدت بهم لوثة الغطرسة الى سخافة التوهّم بأننا سنحشر مشاعرنا في القمقم احترامًا لهكذا قانون؟
ببساطة: طز! طز في كل قانون ظالم وجائر حتى لو ارتدى أبهى قناع ديمقراطيّ، وحتى لو تم انتاجه بأحدث تقنيات الديمقراطية الميكانيكية، بل المحوسبة. فالقانون الظالم مكانه القمامة. والديمقراطية الظالمة مكانها مزبلة التاريخ. حين تتحول الديمقراطية الى مِسنّ يشحذ المهيمنون عليه حرابَ قمعهم، فلينكسر المسنّ قبل الحِراب!
خبراء القانون يتوقعون احتمالا ضئيلا لنجاح هذا القانون، حتى استنادًا لسلة قوانين اسرائيل السقيمة. مع ذلك، فليته يمرّ.. يا ليته يمرّ حتى يطلّ المجرم بأحقر هيئة له. فبعد أن اقترف جريمة النكبة، يحاول منع ضحاياها من التصريح بها، تذكّرها والتذكير بها. ربما سيكسب مبررًا "قانونيًا" جديدًا لممارسة قمع قديم، لكنه يساهم من حيث لا يدري في تعميق الوعي بالنكبة، أو بمفهومها على الأقلّ.
فحكومة الأغبياء هذه أطلقت من حيث لا تدري حملة إعلامية للتعريف بالنكبة. فالفرد اليهودي الاسرائيلي الجاهل، او المجهَّل، أو الجبان الذي يخشى مواجهة التاريخ، أو الذي تدثّر بالوعي الزائف، مضطرّ الآن للتعرّف على كلمة جديدة واستيعابها في معجمه السياسي: النكبة. ولن يكون قادرًا عن الهرب من السؤال عن معناها. بل سيسمع الكثير الكثير عما تكتنفه من مضمون قاتم لطالما حاولت مؤسسة اسرائيل الكولونيالية اخفاءه عنه.
ولن يقتصر الأمر على المجتمع الاسرائيلي البليد اللائذ في ضباب الأساطير الايديولوجية، بمعظمه. بل ستشقّ كلمة النكبة طريقها الى وعي كثيرين في العالم. هذه فرصة لا باس بها لتعريف العالم بالجريمة الصهيونية البشعة، عبر حملة احتجاج متصاعدة. (قصْدي غير بيانات الإدانه عَ الإيميل!). فالقرار الحكومي الغبيّ والمبارك معًا، هو فعل افتضاح ذاتيّ يدغدغ القلب ويستدرج القهقهة.. أحيانًا، يرتكب المجرم أفعالا في غاية الغطرسة والطيش معًا فيمنح المحيطين به فرصة لشمّ رائحة احتراق القبعة على رأس الحرامي.
بالمناسبة، لا حاجة بأحد للتباكي على خطورة هذا القرار على حضرة جناب الديمقراطية الاسرائيلية. فالحفاظ على هكذا درَك من الديمقرطية، لا يليق بأولويات أي وطنيّ أو تقدمي أو يساري. فلتفضح السلطة التنفيذية لديمقراطية نظام اسرائيل الكولونيالي نفسَها، ولنقابل نحن هذا بالتصفيق والترحيب بالفرصة.. لا يجدر بقرار بشع كهذا أن يستلّ من صدورنا شهقات التفاجؤ، ولا حشرجات التفجّع.. فكل ما في الأمر، وبالعربي الفصيح: "اللي عند الجحش، دَندلو"! وعذرًا على التعبير.
وعليه، يجدر القول لحكومة الغباء والغطرسة الاسرائيلية: شكرًا على قرارك الفضائحي. أتحفينا بالمزيد. فمهما حدث، ستظلّ نكبة الشعب الفلسطيني كابوسًا يُرعد فرائص الجاني الى أن يعتذر ويتيح تصحيحًا للغبن . وسيظل أبناء وأحفاد الضحايا محكومين بأمرين اثنين: بالنضال العنيد وبالأمل المنير. فنحن باقون على الأرض وعلى العهد، ولينفلق المتغطرسون انفلاقًا!


الصورة: إحدى مسيرات العودة - سيظل أبناء وأحفاد ضحايا النكبة محكومين بأمرين اثنين: بالنضال العنيد وبالأمل المنير

قد يهمّكم أيضا..
featured

"القلقون" على سلامة داعش!

featured

انتصار الأسرى وإرادتهم ونضالهم

featured

فريد زريق، الإيثاري

featured

مفتاح الحلّ ليس بأيديكم

featured

"هلا"... قناة مُلتزمة أم متأزّمة؟!!

featured

ذكرى يوم النكبة الفلسطيني

featured

من يغلب يحكم؟!!

featured

كلنا في مهب اللهب