حمل أبو زريق مسؤوليَّةَ العائلة، منذ وفاة والده، على كتفيْهِ بعد أن تفرَّغ لإعالتها، ووضعَ همومَ شعبه في قلبه وعلى ظهره، عندما أصبح شابًّا يافعًا، حيث بدأ بالعمل في القدس في أربعينيات القرن الماضي، إذ دفع أشقَّاءه الأربعة لنهل العلم من منابع مدارس فلسطين، في القدس، وأودعهم في المدرسة الرَّشيديَّة والعمريَّة والبكريَّة، حيث كانوا يسكنون القدس في حيِّ السَّعديَّة ومن بعدها في المصرارة، ليُصبحوا مفخرةَ أهلهم وبلدهم وشعبهم، فقد وجدوا في عصبة التَّحرُّرِ طريقَ الخلاص لشعبهم من درب الآلام المؤديَّة الى الهلاك الذي ما زلنا نعيشه ونرى أبعاده حتّى أيَّامنا هذه، دون أن نرى بصيصَ أملٍ للحلِّ..
كان الرَّفيق فريد زريق شاهدًا على مجزرة قريته عيلبون، في الثَّلاثين من شهر تشرين الأوَّل (يوم السَّبت الأسوَد) من عام النَّكبة، بعد أن ترك "جيش الانقاذ" القرية، حيث دخل أهل البلدة كنيسة مار جوارجيوس طلبًا لشفاعة الإله ووالدته والنَّجاة من المذبحة، لكنَّ عصابات "الهجناة" أخرجتْهم من بيت الله، جميع من لجأ إليه، إلى ساحة الحارة وقتلت بدمٍ باردٍ أربعَ عشرةَ ضحيَّةً دون ذنبٍ أو سببٍ، انتقتهم عشوائيًّا، وطردوا أهل القرية ودفعوهم باتِّجاه اللجوء عبر الحدود الشَّماليَّة. لقد نجا من المجزرة رفيقنا ابو زريق بعد أن اختاروا له موتًا آخر في مهمَّة أخرى كدرعٍ بشريٍّ (بوز مدفع)، يقود مع آخرين من قريتهِ حافلةً عسكريَّةً تسير أمام المهجَّرين. وحين هرب راجعًا إلى قريته وجد نفسه معتقلاً في سجن عتليت، مدَّة ستَّة أشهرٍ، مع مجموعة من الرِّفاق وهم: يعقوب ابراهيم الياس، جمال موسى، نديم موسى، رمزي خوري، فرج الياس، إبراهيم طنُّوس، إبراهيم بولس، الياس مكراوي، يحيى ذبَّاح، كمال غطَّاس، جميل غطَّاس، غطَّاس غطَّاس، حبيب زريق وذيب زريق.
كان سجن عتليت مقسَّمًا بالأسلاك الحديديَّة الشَّائكة إلى خمسة أقسام بحيث وزَّعوا المعتقلين إلى فرق، يفرش كلُّ سجين بطَّانيَّته على الأرض وعلى أشواكها القارصة، الدُّرِّيس، التي كانت كلَّما تحرَّك الشَّخص فوقها أكثر غرزت الأشواك في الجلد أعمق..
وعندما حُرِّر ورفاقه من السِّجنِ بفضل نضال رفاقنا، عاد إلى قريتهِ ووجد عائلته قد شُرِّدت إلى لبنان أسوةً بباقي عائلات القرية التي نزحت، عاد ووجد أنَّ جنود العصابات عاثوا في بيوتهم وأرضهم فسادًا ونهبًا وسرقةً ومصادرةً..، حيث صودرت أراضي الزَّيتون ووضعت تحت إمرةِ "حارس أملاك الغائبين" ليكون كما جاء في مثلنا العربيِّ "حاميها حراميها".. وعمل جاهدًا وناجحًا مع باقي أهل القرية الذين نجوا من التَّهجير إلى عودتهم.
قبل سنةٍ جاءه الأجل المنتظَر بعد سبعة وتسعين عامًا، تفرَّغ منذ صغره لتربية وإعالة أهل بيتهِ، قضاها في النِّضال من أجل سعادة أهله وشعبه وعودتهم إلى ديارهم، من خلال عضويَّته في الحزب الشُّيوعي وجبهته، واستمرَّ عطاؤه حتَّى بعد مماته إذ كانت وصيَّته، أن تُنقل جثَّته، بعد مجيء ساعته إلى مستشفى هداسا، لغاية الابحاث الطبيَّة والتَّعليميَّة لطلاب كلية الطِّب.
لقد كانَ في حياتهِ كما في رحيلهِ كريمًا، شجاعًا، متفانيًا، شيوعيًّا، أمميًّا، مضحِّيًا وإيثاريًّا ومثالا يُحتذَى به، ويقول رفيقه وصديقه المناضل داود تركي (أبو عايدة) الذي كانت تربطه به أواصر الصَّداقة والرِّفاقيَّة منذ النَّكبة، في قصيدته:
ما ماتَ مَنْ خَلَدَتْ مَآثِرُهُ بَلْ ماتَ مَنْ سَفِلَت بِهِ الشِّيَمُ
سَيَظَلُّ لِلأحْرارِ مَفْخَرةً وَمَنارةً في الفِكْرِ تَنْتَظِمُ
