في مثل هذا اليوم قبل 24 سنة، انطلقت الانتفاضة الفلسطينية المجيدة. الحدث النضاليّ الفلسطيني الأرقى، الذي حشر الاحتلال الإسرائيلي في الزاوية. كان الثمن، ولا يزال، باهظًا: رصاص في الصدور الفلسطينية وعظام مهشّمة بهراوات جند الاحتلال تنفيذاً لأمر وزير الحرب حينذاك إسحاق رابين: "هشّموا أياديهم وأرجلهم".
كانت انتفاضة الشعب بأكمله. فضاء نضالي يتّسع للشاب والمرأة والطفل والكهل، للناشط السياسي وللمواطن غير المؤطّر حزبياً أيضاً. خلافاً لانتفاضة 2000، لم تكن حيازة قطعة السلاح شرطاً يكاد يكون حصرياً للانخراط في النضال الوطني. ولا العضوية في فصيل مسلّح بهذا اللون أو ذاك.
في الانتفاضة الأولى، لم ينجح حكّام إسرائيل وجنرالاتها في الاختباء خلف أسوار الخداع. كانت المعادلة واضحة: محتجّون عزّل في وجه مصفّحة. لم يكن في وسع زعماء الاحتلال تسويق أكاذيب "خطر تقويض إسرائيل" و"ضرورة سحق الإرهاب". لقد رأى الضمير العالمي حدّة وضوح المشهد. بل لم ينجحواأيضاً في شلّ ضمائر كثيرة في مجتمعهم. فخرجت الأصوات المحتجّة، بالعبرية أيضاً.
بعيداً عن تقويم أوسلو، يجب القول إن إجبار إسرائيل الرسمية على الاعتراف بالشعب الفلسطيني وقضيته وقيادته الممثّلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، كان مكسب الانتفاضة الأولى الأوّل، وأحد أكبر المكاسب السياسية الفلسطينية. فإسرائيل الرسمية لم "تتكرّم علينا" بالاعتراف، بل لأنّ سياستها انكسرت بعزم المنتفضات والمنتفضين الأبطال.
العبرة لا تزال ساطعة: إن من شأن قرار فلسطيني موحّد باعتماد المقاومة الشعبية أن يجسّد ما يمكن أن تبدعه الجماهير بفطرتها الخلاقة لمواصلة فعل المواجهة. تقوية هذا التوجّه وإذكاؤه يعكسان أيضاً حالة من التفاعل الديمقراطي العضوي الحقيقي لدى القيادة مع القرار الجماهيري الذي يسطع بحكمته حين تشتدّ حلكة عتمة القمع.
مواجهة قوة البطش تحتاج أوّلاً إلى فضح هذه القوة ودفعها إلى حدودها الأخيرة. وقد أثبتت انتفاضة 1987 أن مقولة "الحجر يشلّ دبابة" ليست مجرّد استعارة.
ليس لدى الفلسطيني دبّابة. لكن لديه قوّة الحق التي تكتمل بالحكمة السياسية. هذا هو حجر الزاوية. الحجر الذي أربك جهاز الاحتلال وعرّاه من فولاذه.
()
