طالعتنا وسائل الاعلام العبرية قبل ايام بأن القاضي سليم جبران، القاضي في محكمة العدل العليا قد وقف صامتا ولم يحرك شفتيه اثناء تأدية النشيد الوطني الاسرائيلي "هتكفا" في حفل تنصيب رئيس المحكمة العليا في اسرائيل.
وكأنه حدث جلل او كأن مصيبة قد ألمّت بنا فسلطت الكاميرات ووضعت علامات بالصور حول وجه القاضي واعيد المشهد مرات ومرات في النشرات الاخبارية!
هل راقبتم باقي القضاة؟ ام انه تخطيط مسبق للمس بشخص القاضي سليم جبران كونه عربيا؟ هل أنشد كل القضاة نشيدكم الوطني؟ ربما هنالك عدد آخر من القضاة لا يعرفون او لا يتماثلون مع نشيدكم الوطني والذي اعد قبل عشرات السنين حيث لم تكن دولة اسرائيل قائمة الا في الحلم الصهيوني فقط.
فما كان تصرفكم هذا الا نشرا سريعا أرعن بالميديا الالكترونية لدول العالم للتأكيد على عنصرية اليمين المتطرف بداية من الإعلام وصولا الى الهيئة التشريعية للكنيست الاسرائيلي.
وما هي الا سويعات قليلة حتى استلت أقلام العفن العنصري ومضغ السكر الفضي لجلي الحناجر الآسنة مطالبة بإقالة القاضي سليم جبران من منصبه، وكأنه ارتكب خطيئة عظمى فلم تأل وسائل الاعلام المرئية والمسموعة جهدا في تهييج الجمهور اليميني المتطرف حتى وصل النبأ والسبق الصحفي لمسامع اعضاء كنيست اكثر تطرفا فاخذوا بالرقص ممنّين أنفسهم بتمرير قانون عنصري آخر يسمونه قانون سليم جبران.
فتمخض الجبل وولد فأرا
فما كان للكلاب سوى النباح وما كان من القافلة الا ان تتابع سيرها دون النظر للكلاب، وشرب الشارب وارتوى وما همه نقيق الضفادع بمقربة من النبع.
إن الشجرة المثمرة ترجم بالحجارة وانت نعم الشجرة ونعم ثمرها يا سعادة القاضي وما كان ترفّعك عن الرد الا اكثر بلاغة، الامر الذي زاد العنصريين حقدا اكثر فأكثر ناسين او متناسين بأنك ابن لامة عربية وما دولة اسرائيل اليوم دولة لكل مواطنيها انما هي دولة اليهود وما النشيد الوطني "هتكفا" الا تطلعات النفس اليهودية وما تصبو اليه.
كيف تناسوا بأنك وقفت احتراما للموقف كباقي الزملاء، نعم لقد تماشيت مع الموقف بما يسمح لك به ضميرك.
فان بقي في الدولة ما هو شفاف فانها بقية متبقية في المحاكم، وها هم يتطاولون حتى يسيّسوا كل المرافق في الدولة ويذروا فوقها توابل نتنة عنصرية.
نعم لقد تعالت اصوات اصحاب ضمائر حرة في الدولة ومن بينهم القاضي المتقاعد حيشن الذي ظنها في البداية انها مزحة، ولكن ان تصل وتطرح على جدول اعمال الكنيست فانها تصب في مصب العنصرية البحتة.
وهنا يخطر ببالي تساؤل آخر.. أين نقابة المحامين في اسرائيل واين صوتها المدوي لماذا لم نسمع احتجاجاتها هل لانها ذات سياسة يمينية واضحة؟ ام قد اصابها عمى مرحلي او صمم؟
أما عن تلون الصحافة فالحديث يطول وحدث بلا حرج، ما هذا التلون في التصرف وما التشهيرهذا وكأنه ارتكب جريرة؟ فبدل ان تبرزوا تصرف القاضي هذا وكأنه تصرف حق نابع من ضمير حي يقظ؟ حاولتم ابراز تصرفه وكأنه ارتكب خيانة عظمى وهو الرجل الذي يشهد له القاصي والداني بمهنيته ونزاهته وشفافية شخصيته وبتأكيد العديد من زملائه القضاة. فهل هذه هي الصحافة ولهكذا امور وجدت، وهل هذه نزاهة وشرف مهنتكم ام ان لليمين رهبة وله تعملون الف حساب.
لقد زاد اليمين المتطرف من حدة عنصريته ومن عنفوانه وعفنه ولا رادع له الا النضال والوقفة الواحدة ورص الصفوف والتكتل في وجه كل تصرف عنصري، ورفض كل ما هو ضد وجودنا وضد مصلحتنا ومصلحة اجيالنا القادمة.
إن يقظتنا كأفراد ويقظة قياداتنا العربية والتعاون مع اصحاب الضمائر من الوسط اليهودي اصبحت واجبا يوميا للعمل على لجم وكبح الانفلات العنصري، كيف لا وقد خفت الصوت اليهودي اليساري وفي ظل اتجاه الوسط اليهودي نحو اليمين (حسب ما تشير اليه الاحصاءات).
العنف ليس عنفا جسديا فحسب، بل يبدأ من نظرة او تعنيف كلامي يتبعه تصرف همجي وتهجم، وها نحن نرى كيف استشرى في انحاء المجتمع عامة وكان لنا قسط لا بأس به في الوسط العربي بتصرفات غريبة على مجتمعنا وقيمنا وديننا، فارتفعت اصواتنا في كل مكان ومن على كل منبر نابذين العنف بأشكاله.
إن الهجمة اليوم على القاضي سليم جبران في كل اشكالها تقع في دائرة التحريض على شخصه ومحاولة النيل منه، لذا كان لزاما ان تُشجب وتُرفض على الصعد كافة، لا بل يجب على من اظهر تصرف القاضي وكأنه مثلبة ان يعتذر حتى لا تشكل سابقة ولكي تلجم الافواه النتنة التى تلاحق شخصياتنا في المرافق كافة، دينية كانت او سياسية او اجتماعية او لشخصيات وصلت الى مراتب عليا لخدمة المواطن بشكل عام ولا فرق بين دين ولون وعرق.
فان حاولوا اليوم مطالبة القاضي في المحكمة العليا بإنشاد النشيد الوطني فلا عجب غدا ان طالبوكم معشر المحامين بانشاد النشيد الوطني قبل كل جلسة في المحكمة.
كفى ملاحقة وكفى غطرسة فان العرب موجودون في الدولة قبل قيامها واننا هنا باقون في وطننا الذي لا وطن لنا سواه وسنظل شوكة قاسية في حلوق كل العنصريين وجذورنا ضاربة في الارض عميقا كجذور السنديان.
فيا سعادة القاضي أقولها لك وأصرخ لكي يسمع القاصي والداني بأن تصرفك بعدم المشاركة في انشاد النشيد الوطني كان صحيحا، وترفّعك عن الرد على الهجوم الاعلامي كان عظيما وبليغا حتى انه قد اثار حقد الحاقدين الذين كانوا يطمحون بأن ترد على الاعلام ويحاولون ان يبنوا قصورا على الرمال بان يدعوك تدحرج كرة ثلج.
افتتحت مقالتي بأن الكلاب تنبح والقافلة تسير، وأقول لك من على هذا المنبر الحر يا أبا أسعد: أسعد الله حياتك وأوقاتك وسدد خطاك وأمد في عمرك في خدمة أبناء الوطن مصلحا متدخلا من خلال منصبك في حل قضايا المجتمع حتى يأخذ العدل مجراه، فاننا بحاجة ماسة لكثير من أمثالك في المحاكم والقضاء في الدولة.
(سخنين)
