تصحيح الخطأ الشنيع

single

*في القرار الأخير، صححت الجمعية العامة الخطأ الشنيع الذي وقع فيه مفاوض أوسلو الفلسطيني، حين رضخ لما شاءه المفاوض الإسرائيلي الذي أصر على إغفال ذكر وصف الأراضي المحتلة في اتفاق المبادئ الذي اشتهر باسم اتفاق أوسلو*

 

// مغالاة المظلوم في التهليل لأي بارقة أملٍ ينبغي أن تكون مفهومةً، خصوصاً حين يكون الظلم الماثل هو هذا الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. بالرغم من هذا، كنت أحبّذ أن يتجنّب المسؤولون الفلسطينيون هذه اللغة الانتصارية التي فاضت منذ توقف الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة، وهي اللغة ذاتها التي تجدد فيضها منذ منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة فلسطين مرتبة دولة مراقبة فيها. لا يُراد لهذا القول أن يقلص أهمية أيّ واحد من هذين الحدثين. بل إن المراد هو تقليص المغالاة حتى لا تتضخم أيّ أوهام.
اتصل الهجوم على غزّة ثمانية أيام. وجندت إسرائيل لإنجاح الهجوم قاذفاتها الجوية ومدفعيتها الأرضية والبحرية ودرعها الحديدي ورصدت مليارات الشواقل. وقد ألحق الهجوم الضاري خسائر بشرية ومادية، إن كانت أقلّ مما ألحقه هجوم سابق، فإنها ليست قليلة في حدّ ذاتها. ومن الموجع أن يتغنى أي فلسطيني بقلّة أي خسائر، حتى لو تعلق الأمر بخسارة حياة طفل واحد وتدمير منزل واحد.
في مواجهة هذا الهجوم الضاري، ثبت مواطنو القطاع وظلت معنوياتهم متماسكة. ولم تستطع إسرائيل منع المدافعين عن القطاع بالسلاح المتيسر عن المضيّ في إطلاق صواريخهم باتجاه إسرائيل طيلة أيام الهجوم كلها وبلبلة حياة سكانها. والى هذا، أفلحت جهودٌ سياسية بذلتها أطراف شتى، بضمنها مقاومو غزّة، في إرغام إسرائيل على وقف الهجوم قبل أن تتحقق أهدافه بكاملها ودون أن يكون ثبات المقاومين قد تزعزع.
في أي حساب لموازين القوى، ذاتيّها وخارجيّها، ماديّها ومعنويّها، عسكريّها وسياسيّها، سيصح القول، دون حاجة إلى الكثير من المغالاة، بأن العين التي  ظلت مفتوحة في مواجهة المخرز، دون أن تطرف، قد أسهمت بدور ذي فعالية في تقصير مدة الهجوم وجعْل الخسائر الفلسطينية، بالتالي، أقلّ من المتوقع. وهذا الإسهام يشكل، مرة أخرى بحساب موازين القوى المتقابلة، ما يمكن أن يُعتدّ به، وهو يسجل نقاطاً لصالح الذين قاوموا. وإذا أحسن هؤلاء استثمار هذه النقاط فمن الممكن البناء عليها لكسب نقاط أخرى.
بكلام أكثر تحديداً: لقد أدت الإدارة الفلسطينية المتبصرة للجهدين السياسي والعسكري في مواجهة هذا الهجوم إلى تخفيف كارثة كان من المتوقع أن تصير أثقل لو افتقر الجانب الفلسطيني إلى هذا التبصر. وإذاً، فهو تخفيف كارثة، وهذا هو الوصف الذي ينطبق على ما جرى ويستحق الحفاوة به. والسياسة الفلسطينية التي تتوخى أن تكون صائبة في هذا الوقت هي السياسة التي تستهدف، هي ذاتها، تخفيف الكوارث، والتي يدرك راسموها أن الوضع الفلسطيني الذاتي والأوضاع المحيطة كلها لا تجيز بثّ أيّ أوهام. وهل يجهل أحد أن تهييج العواطف، وتعميم اللغة الانتصارية قبل أوان النصر، وتصوير ما جرى لغزّة ومن غزّة على أنه انتصار حاسم، هي أوجه سلوك يشكل حواضن لا يخرج منها غير الأوهام.
وعلى غرار الحكي على انتصار غزّة يصخب الحكي على انتصار آخر ظفر الفلسطينيون به في الأمم المتحدة. هنا، لا بدّ من القول إن قرار الجمعية العامة مَنْح فلسطين مرتبة دولة مراقبة لن يلغي العقبات التي تحول دون تجسيد هذه الدولة على الأرض. وقد أصاب الذين ذكّروا من يعنيهم الأمر بأن الجمعية العامة أصدرت قرارات كثيرة تؤكد حق شعب فلسطين في دولة خاصة به. ويمكننا التذكير في هذا السياق بالقرارات الكثيرة التي أصدرتها الجمعية العامة وأصدرها مجلس الأمن الدولي وهيئات الأمم المتحدة العديدة الأخرى، والتي أكدت أن الأرض الفلسطينية التي استولى جيش إسرائيل عليها في العام 1967 هي أرض محتلة.
ما كان مفتقداً في هذه القرارات هو النص على أن الأرض المحتلة هذه هي أرض الدولة الفلسطينية التي من حق شعب فلسطين إقامتها، وليست أرضاً متنازعاً عليها كما تزعم إسرائيل. قرار الجمعية العامة الأخير حقق الربط المطلوب، حين أقرّ بوجود الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة منذ 1967 مع التأكيد على أن القدس الشرقية جزء منها. وهذه هي الميزة الأساسية للقرار. وهذا هو ما يستحق الحفاوة بصدوره.
بهذا الربط، صححت الجمعية العامة الخطأ الشنيع الذي وقع فيه مفاوض أوسلو الفلسطيني، حين رضخ لما شاءه المفاوض الإسرائيلي الذي أصر على إغفال ذكر وصف المحتلة في اتفاق المبادئ الذي اشتهر باسم اتفاق أوسلو. ولمن نسي، قد يفيد أن نذكّر بأن وفد م. ت. ف.، الذي فاوض في واشنطن على مسار مدريد، الوفد الذي ترأسه طيب الذكر الدكتور حيدر عبد الشافي، قد أصرّ على ضرورة وضع هذه الصفة لأرض الضفة والقطاع. أما وفد أوسلو الذي ترأسه الاخ الفتحاوي أحمد قريع "أبو علاء" فإنه حاول، لكنه لم يتشبّث بما حاوله. وقد قبل وفد أوسلو الاستعاضة عن الدلالة المحددة لصفة الأرض المحتلة بعبارة غامضة الدلالة هي العبارة التي أوجبت امتناع الطرفين عن إحداث تبديلات على الأرض إذا كان من شأن هذه التبديلات أن تؤثر مسبقاً على المفاوضات اللاحقة التي ستحدد الوضع النهائي.
المدهش في الأمر أن القادة الفلسطينيين الذين شكّلوا وفد الدكتور عبد الشافي وحثّوه على التشدد كانوا هم أنفسهم الذين شكّلوا وفد السيد قريع وقبلوا ما انتهى إليه. ولمن نسي، أيضاً، قد ينبغي أن نذكّر بأن الرئيس ياسر عرفات كان على رأس الفريق القيادي الذي وجه مفاوضات الوفدين كليهما، وأن الرئيس محمود عباس كان في هذا إلى جانب عرفات، هو الذي كان رئيس اللجنة القيادية المسؤولة عن كل اتصال مع أي إسرائيليين.
وقد لا يكون مخطئاً من يتصور أن الرغبة في تصحيح خطأ أوسلو هذا كانت بين العوامل التي تفسّر ثبات الرئيس عباس إزاء الضغوط هائلة الحجوم التي تعرض لها وإصرارَه، الذي أدهش كل من يعنيهم الأمر، على متابعة مشوار التوجه إلى الأمم المتحدة. المشارك في المسؤولية عن خطأ 1993 تصدّر الجهد الذي أفضى، بين ما أفضى إليه، إلى وقف الضرر الذي سببه هذا الخطأ. والآن، تستطيع إسرائيل أن تواصل الزعم بأنها تفاوض على أرض متنازع عليها وليس على أرض محتلة تعود لدولة فلسطين، ما دام أن الولايات المتحدة تحميها. لكن إسرائيل تلقت بقرار الجمعية العامة ما يزعزع ثقتها بقدرة هذه الولايات المتحدة على الاستمرار في التفرد بموقف يخالف موقف الغالبية العظمى من دول العالم، وبضمنها الدول الكبرى الأربع والعدد الضخم من الدول الأخرى.
إذاً، فالقرار منجزٌ تَوّج جهداً دؤوباً وسجّل لصالح الجانب الفلسطيني نقطة يمكن البناء عليها للظفر بنقاط أخرى. غير أن هذا شيء، والمغالاة في تصويره بما هو نصر حاسم شيء آخر.
أما ما يستحق الحفاوة فهو البناء على ما تحقق حتى الآن، ما حققته المواجهة بالسلاح وما حققه الكفاح السياسي، للتقريب بين وجهتي النظر اللتين انبنى عليهما الانقسام الفلسطيني، ولتتويج الجهد المبذول من أجل تحقيق المصالحة الوطنية باتفاقٍ على برنامج يُحصّن الوحدة الوطنية ضد أي انقسام جديد. وهذا هو ما يمكن أن يصير فاتحة لانتصار يحق للفلسطينيين، جميعهم، أن يحتفلوا به، بمغالاة أو بدونها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

إضاءات ومواقف للمربِّي المرحوم نمر مرقس

featured

إستهبال مباشر!

featured

خالد انت خلود شعبك يا عرفات

featured

مين أصدق عيني أم الخرافة

featured

طالما تواصل الالم الفلسطيني والفرح الاحتلالي لن ينجز السلام!

featured

حتى لا تتكرّر الجريمة بحق الشعوب والانسانية!

featured

رؤية لمسلسل القصف الإسرائيلي لسوريا: وقــاحـــة عـــدوانيـــة زائــــدة هدفها مساعــدة المعارضــة لإفشال الحل السيـاسي

featured

ياسمين والمساجين