ياسمين والمساجين

single

ياسمين ملشي، هذا هو اسم الشرطية التحرّية التي كان لها قبل أسبوع الدور الرئيس في إلقاء القبض على واحد وثلاثين تاجر حشيش وإكستاسي وعلى تجار أسلحة. وحسبما جاء في المقالة التي نشرتها صحيفة "هآرتس"، فإن ياسمين كانت دائمًا تحلم بأن تكون شرطية. أنا أتساءل: هل هذا الحلم، أي أن يصبح الإنسان شرطيًا، هو حلم طبيعي؟ فالإنسان الذي يتجنب العنف ويصبو إلى العيش بسلام مع بيئته عادة ما يحلم بأن يصبح معلمًا أو ًبيطريًا أو ممثلا وليس شرطيًا، وخاصة في بلاد كبلادنا حيث الشرطة مليئة بالشخصيات العنيفة والمعروفة بعنصريتها ضد العرب وضد باقي الأقليات.

المقالة المذكورة تقتبس ياسمين التي تقول: "أنا أعرف بعضًا منهم منذ طفولتي، ولا يوجد لدي أي شعور بالندم، فالقانون فوق الجميع". أما أنا فأتساءل: هل القانون دائمًا مُحقّ؟ وهل باسم القانون يمكن للإنسان أن يعمل أي شيء يريده؟ وماذا يحصل لو كان القانون نفسه غير أخلاقي؟ ثم أليس من الصواب الاعتقاد بأن الأخلاق الإنسانية هي فوق قوانين الدولة؟
رأيي في تجارة الأسلحة والمخدرات الثقيلة قاطع، فهذه أمور خطيرة ومؤذية ويجب منعها. أما بالنسبة للمخدرات الخفيفة كالحشيش، فإن أخطارها ومضارها ليست بأكبر من أخطار ومضار سموم قانونية كالكحول. وفي اعتقادي فإن الحل الأمثل للسيطرة على المتاجرة بها يتمثل بالقيام بتصريحها، شرط أن يكون ذلك مراقبًا وقانونيًا.

المقالة في "هآرتس" تركّز على كون ياسمين امرأة وتصفها كبطلة حققت حلمها وأمسكت بالمجرمين، وفي رأيي فإن الأمور أكثر تعقيدًا من مثل هذا التصور المبسِّط للأمور. مثلا، تصح الملاحظة بأن سوق المخدرات مليء بالتجار، وحتى لو سجنت بعضهم، فسوف يأتي غيرهم، لأن هنالك سوقا لهذه السلعة. لذلك يسأل الإنسان نفسه: هل بالفعل نجحت ياسمين في تغيير الوضع في حيفا، أم أنها قامت بعملية "إقالة" لتجار و"تعيين" تجار آخرين يواصلون ما قد بدأه من كان قبلهم؟!
عنف الشرطة وعنصريتها لا يمنع الصحفي، كاتب المقالة في "هآرتس"، من أن يقرر أن ياسمين بطلة وأن الشرطة هي عبارة عن مجموعة أبطال. لكن كل من يعرف كيف تتعامل الشرطة مع العرب في البلاد يدرك أن المقالة في "هآرتس" أحادية البعد، فالشرطة، حسب رأيي، قد أجرمت بحق عرب البلاد أكثر بكثير مما أجرم تجار المخدرات الخفيفة، كما وأن المقالة المذكورة لا تُظهر أي تعاطف مع عائلات المسجونين بسبب ما فعلته  ياسمين، بل تبرّر كل عنف تسبّب على أيدي الشرطة باسم القانون، وكأن القانون يعكس قيمة اخلاقية عليا ليس حولها جدال.

بعد أن قرأت مقالة "هآرتس" قلت لنفسي: "انه لأمر مزعج أن تكون الصحافة بهذا القدر من السطحية وان تُظهر للقراء جانبًا واحدًا من الحياة وتتجاهل مليون جانب آخر". ثم وضعتُ أغنية للمغني الامريكي "ناس" عنوانها "إن كنتُ أسيطر على العالم" وقلت لنفسي : "إن كنتُ أنا أسيطر على العالم، فلسوف أحاول أن أثقف الشرطة وأجعلها أكثر انسانية وأسلط انتباهها نحو الجرائم الحقيقية، وذلك كي لا تقضي وقتها وتهدر ميزانيتها في الركض وراء تجار المخدرات الخفيفة، وفي ملاحقات تافهة وعديمة الطائل، كملاحقة توم لجيري في الرسوم المتحركة".

قد يهمّكم أيضا..
featured

لذكرى رحيل الطبيب مروان سليمان خوريِّة: مِــرآة مِــنَ الشّهامَة

featured

بين روبسبير وساركوزي

featured

الناصرة لنا جميعا...

featured

دولة الابرتهايد، حل الدولة او الدولتين

featured

شوفو شامنا عن قرب

featured

تونس ومصر تتصديان للارهاب

featured

كيف يكون أبا ورمزا وقد سرق من عمرنا ثلاثين عاما؟!

featured

لتحقيق المصالحة الفلسطينية كاملة