الجدار، تأشير واضح على الابرتهايد
مع نهاية حرب الـ 1948 كانت اسرائيل قد انتجت من اسباب استمرار واذكاء الصراع ما يكفي لعقود طويلة قادمة، ولا اقصد هنا فقط ما ارتكبته من مجازر وتطهير عرقي وهدم للقرى العربية بعد اقتلاع سكانها وقذفهم الى منافي اللجوء والشتات، وانما ما سعت اليه سياسيا من خلال استثمار "انجازها" العسكري في تقويض قرار التقسيم من العام 47 والالتفاف على القرار بحيث يتم استبعاده كمرجعية للحل ومرجعية لحق تقرير المصير، ويغدو التعامل مع نتائج الحرب هو المنطلق.
لقد أدركت القيادة اليهودية مبكرا ان رفض قرار التقسيم من كلا الطرفين العربي واليهودي، سوف يقود الى مرجعيات اخرى وسوف يضع حق تقرير المصير لكلا الشعبين أمام استحقاق انهاء الانتداب البريطاني واقامة الدولة الدمقراطية الواحدة، او الدولة ثنائية القومية وهو الامر الذي قض مضاجع القيادة الصهيونية، فسارعت الى قبول قرار التقسيم وفي نفس الوقت عملت كل ما بوسعها على تقويضه نهائيا من خلال الحرب والسيطرة العسكرية على اكبر مساحة ممكنة من الارض، وفي الواقع استطاعت السيطرة على نحو ثمانين بالمئة من الارض في حين منحها قرار التقسيم ما يعادل خمسة وخمسين بالمئة من اراضي فلسطين التاريخية.
واقع الاحتلال والسيطرة العسكرية وواقع التطهير العرقي للمناطق التي سيطرت عليها اسرائيل، عزز قناعة القيادة الصهيونية ان بامكانها اقامة كيان يهودي صاف تتجاوز حدوده ما نص عليه قرار التقسيم، ويحتمل وجود اقلية عربية بسيطة مرعوبة وهادئة داخله، وبنفس الوقت يلغي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني او على الاقل يزيحه جانبا لعدة اجيال قادمة. وكانت حرب الـ 67 الضربة الاقسى لقرار التقسيم ، اذ استولت اسرائيل عسكريا على كامل التراب الفلسطيني وسياسيا ازاحت مرجعية الحل من قرار التقسيم الى نتائج حرب الـ 48 ، وانعكس ذلك ليس في أروقة الامم المتحدة ودوائر الشرعية الدولية وحسب وانما في خطاب حركة التحرر الوطني الفلسطينية ايضا، التي رفضت التقسيم في حينه لما حمله القرار من عناصر اجحاف بحق السكان الاصليين، وساقتها نتائج حرب 67 الى التعامل مع قرار التقسيم بنوع من الحنين المحزن، والتعامل مع نتائج حرب 48 او ما اصطلح على تسميته حدود 67 على انها حدود "الشرعية الدولية"، وحصر او حتى حشر مفهوم الاستقلال وتقرير المصير للشعب الفلسطيني في مناطق الاحتلال الاسرائيلي من عام 67، بمعنى في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس العربية، هذا في الوقت الذي سعت فيه اسرائيل من خلال الاستيطان الى إلغاء حتى هذا الجزء من مساحة المناورة الفلسطينية حول حق تقرير المصير، وخلق واقع جغرافي على الارض يقلص تلك المساحة الى حدود غير قادرة وغير قابلة لإنشاء كيان سياسي واقتصادي واجتماعي مستقل قادر على ممارسة السيادة السياسية على الارض، وخلق واقع ديمغرافي يحول امكانيات الحل الى شبه مستحيلة.
حين ننحاز تماما للمشروع الوطني الفلسطيني ونقر بضرورة اقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس العربية، فاننا اولا وقبل كل شيء ندرك حجم التنازل التاريخي الذي يقدمه الشعب الفلسطيني من اجل مستقبل افضل للشعبين، وندرك ايضا ان الاستيطان حجر عثرة يجب ازالته تماما باقتلاعه نهائيا ومن جذوره، وندرك ان حل قضية اللاجئين الفلسطينيين بموجب القرار 194 هو ايضا تنازل تاريخي لا ينصف تماما من اقتلع من بيته ووطنه، والأهم اننا نشير الى الامكانية الوحيدة للحل والمصالحة والسلام بين الشعبين وهي حل الدولتين.
إن سعي اسرائيل الى الغاء امكانيات الحل ورهن الحل بأطماع الجيل الحالي والجيل القادم من مستوطنيها يقود الى امكانية واحدة ووحيدة وهي دولة الابرتهايد، فان انشاء المعازل والمناطق المحاطة بالاسمنت المسلح ليست سوى مقدمة لمثل تلك الدولة، لذا فان الرهان على حل الدولة الواحدة كإمكانية واقعية يشبه الحلم ولا يقدم بصيص امل للشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، بل يقدم مزيدا من المعازل والجيوب المحاطة بالجدران، ويسارع في تقدم دولة اسرائيل نحو دولة الابرتهايد.
