يفرق علم النفس بين نوعين من الذكاء. يسمى الأول ذكاء دافئاً، والآخر ذكاءً بارداً. وفي بحث عن سيكولوجيا الأعماق قرأت توصيفاً لهذين النوعين من الذكاء. الذكاء الدافئ هو الذي يتألف من إحساسات وحدوس. إنه أشبه بهوائي التلفاز، لذا يمكن وصفه بأنه هوائي الحياة الذي يلتقط ما في هذه الحياة، ويعيد بثه، أما الذكاء البارد فيتصف بالبرود والصلابة، إنه منطقي يتشكل من آراء قاطعة، محدودة.
العلماء الذين يقيمون هذا التصنيف الدقيق بين نوعين من الذكاء يبدون تحفظاً على المفهوم الشائع للذكاء. ويقولون إن هناك خزانين مختلفين يحتويان عناصر هذا المفهوم الملتبس، الخزان الأول مترامي الأطراف، إنه خزان اللاشعور والوجدانية والحياة الداخلية للبشر، إنه يحتوي تلك الصورة من الذكاء التي تغوص في الواقع العميق من الوجود كالمغرفة.
إنه ذكاء محض، تلقائي، مرن ومصدر تأملات صامتة، وضروب من الإلهام التي تتراكم، ومنبع نفاذ البصيرة، إنه الذكاء غير العقلاني، لذا فإنه ذكاء سعادة الحياة والمشاركة العفوية مع الأشياء والموجودات، إنه الذكاء الذي يتضمن الإصغاء إلى الآخر، لا لما يقول أو يفعل، بل لما هو عليه.
أما الخزان الثاني فيحتوي ذلك النوع من الذكاء القائم على المنطق، على الحسابات، ولهذا سمي الذكاء البارد تمييزاً له عن الأول المتقد بالدفء والحياة.
الاستنتاج الذي سيسر النساء هو أن مساحة الذكاء الدافئ عندهن أوسع، كقاعدة، من تلك التي للرجال. الخزان الأول هو بطبيعته أنثوي، أما الخزان الثاني فهو بطبيعته ذكوري. ومن الواضح أنه ليس بوسع الإنسان أن يعيش على نوع واحد من الذكاء، فالانتقال الحر بين النوعين، الدافئ والبارد، لا غنى عنه.
ولكن إدراك هذه الحقيقة يسهم في معرفة وتلمس جوهر تلك الفروق التي لا بد أن نلمسها في الطريقة المختلفة لكل من المرأة والرجل في التعاطي مع المشاعر ومع قضايا الحياة.
في داخل كل إنسان، امرأة كان أو رجلاً، ثمة قطبان: واحد مذكر والآخر مؤنث. لا شأن للقطب المؤنث بما يدعى المنطق من حيث هو حسابات ومحاكمات دقيقة للأشياء، تلك مهمة القطب المذكر.
أما القطب الأنثوي فإنه في حالة إصغاء للمشاعر، حالة إصغاء للآخر، حالة إصغاء للحياة، التي يلتقطها الخزان الأول، خزان اللاشعور، قبل أن يتولى الخزان الآخر عقلنتها، أحياناً إلى درجة الفجاجة.
