يعجبني الكاتب الذي يحترم ذكاء القارئ، أو بالعربي "يركن عليه". ولا يعجبني الكاتب الذي يستخف بالقارئ، فيكتب له من قفا اليد، أو يشرح ويطيل الشرح، أو كما يقولون: يلوك اللقمة الفكرة ويضعها في ذهن القارئ، وفي فمه، ممضوغة، ممجوجة... فيا أيها الكتّاب: لا تفرضوا الذكاء الخارق في القرّاء كما لا تفرضوا الغباء، ولا تكونوا كمن زاد في الرقّة حتى انفلق، ولا تزيدوها في الخشونة والوعورة. في حياتي لم أمارس مهنة التعليم ولا الأستذة. فلا تفهموني غلط.
قيل: خير الأمور الوسط أو وجعلناكم أمّةً وسطًا. لكن كيف يكون ذلك؟ وهل معنى ذلك أن تمسكوا أو تمسكن العصا من وسطها؟ هنالك أشياء يجب القطع فيها، وبحزم. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لكل مقام مقال.. والدنيا ليس أبيض وأسود. هنالك رمادي،شئت أم أبيت، أحببت أم كرهت. ثم انه هنالك أيضًا ألوان أخرى في قوس القزح! وفي قوس الفرح.
وبعد، فالقارئ يميّز بين الكتّاب الذين يكتبون من أجل الكتابة، يتبعّرون من هنا وهناك، يكتبون كثيرًا ولا يقولون إلّا القليل.. أو حتى لا يقولون شيئًا. والقارئ عندنا لمّاح، يعرف الحصّاد من المتبعّر، والصادق من الكذَاب، والمستقيم من الأعوج والفهلوي. ويدرك أنه: "ومهما تكن عند إمرئ من سجيّةٍ.. وإن خالها تخفى عن الناس تُعلم". وإن صديقك من صدقك وليس من صدّقك. كما يعلم أيضًا أنه ليس بالضرورة أن يكون عدو عدوّك صديقك... القارئ يميّز بين من ينتقد "الاتحاد" لأجل النقد، لأجل الهدم، ومن ينتقد لأجل البناء أو إعادة البناء، وتصحيح المسار. كما يميّز هذا القارئ بين الكاره والمحب.. يميّز بين الغيرة من والغيرة على...
يعيب بعض الناس على الحزب الشيوعي وعلى صحيفة "الاتحاد" بعض المواقف. وشتّان بين العيب والنقد البناء.. يقولون مثلا أن الموقف من أحداث سوريا يعتمد على المحرر في تلك الليلة.. ولا يدركون أن ما كان صحيحًا بالأمس ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا اليوم، وقد طرأ تحسن ملحوظ في ذلك الأمر، بفضل الوعي والوعي المتنامي لدى الكاتب والمتلقي، وما آلت إليه الظروف بخصوص المشكلة السورية، التي أدركها البعض منذ الأسبوع الأول للأزمة ولم يدركها البعض الآخر حتى الآن، وهم قلّة في ملّتي واعتقادي. ملّتي هي الحزب، وإن كنت لا أحمل بطاقته الحمراء، واعتقادي هو الفكر الجبهوي، وإن كنت لا أشارك في مؤسساته حاليا. لقد كنت وما زلت ممن ينتقدون بعض النهج والسلوكيات الطارئة على الحزب وعلى بعض ما ينشر في صحيفته، بدون رقابة، وبدون توجيه، وبدون تحرير، وبدون اتفاق مع الخط العام للحزب حينًا أو الإنسجام مع خط اليسار حينًا آخر. مثل ذلك سلوكيات مهادنة التيارات الأصولية والمد الأصولي، الظلامي، والتأرجح بين التدين والقومية، وعدم الحسم في قضايا الطائفية والعائلية والطائفية السياسية التي تشكل خطرًا على مجتمعنا كأقلية قومية أصلية تعيش تحت حكم يعاديها ويعمل باستمرار على تفتيتها، أو حتى اقتلاعها... لقد علّمتني الماركسية النقد والنقد الذاتي ودرّبتني على تفعيل العقل النقدي بحسب الأصول العلمية.. وعلى قول الصدق مهما كان العقاب.. وأن صديقك من صدَقك وليس من صدّقك... علّمتني صحافة الحزب ومنذ أكثر من خمسين سنة، أن الحقيقة ليست مطلقة وهي دائمًا مرّة وأن ما من أحد يمتلكها كاملة. وهي في الوقت ذاته مثل كل الأشياء في هذا العالم نسبية. علّمتني الكدح مع التفاؤل.. وأنه دائمًا هنالك نقطة ضوء في آخر النفق، ودائمًا هنالك أمل في الصلاح والإصلاح وتجدد الحياة.
لم نهرم كما قال ذلك المسن التونسي.. فنحن نتجدد في نباتنا وبناتنا وأولادنا، أمل المستقبل.. فأنا على سبيل المثال الشخصي لا أُعتبر مربِّيًا إذا لم يكن ابني أو ابنتي أحسن مني!
