"حرية بثلاثين كلمة"

single

من منكم يفيق بخياره الواعي من أحلامه؟ من منكم لا يؤثر المخمل فراشًا وثيرًا ونسائم هواء يملؤه الزنبق والأقحوان؟
كم جميل أن نطير وأحلامنا إلى حيث المشتهى؟ لا قيد يغلل ولا سيد يذل بل حياة بكامل زهرها المنثور. آه يا حلمي الجميل ما أجملك! آه يا حلمي المخادع ما أقساك! ما أنهكك؟
حالمًا قدت سيارتي. وجهتي بناية المحكمة العليا الإسرائيلية. قصر "العدل والإنصاف" بناية فاخرة، شيدت على رأس هضبة تتوسط مباني الحكم والسلطان، فاخرَ من بناها بعمرانها وأكثر بما ستشيعه من قيم إنسانية عصرية وحضارية. لا أكثر من حلم زائف ولا أكثر من وهم.
أدخل قاعة المحكمة الرابعة. ثلاثة قضاة يغطسون في مقاعدهم المصفوفة على منصة صنعت من خشب فاخر يشي بذوق ثمين، يلائم ذوق عائلة روتشيلد الصهيونية الغيورة المتبرعة بتكاليف المبنى.
جلست في مقعدي. نودي على ملف آخر. كان ملفًا من تلك الملفات الثقيلة على القلب. عائلة يهودية ثكلت ابنها في حرب لبنان الأخيرة. كان يقود دبابة حين أصابها صاروخ فقتل من قتل وأبقى ابنها جريحًا مدلّىً في فضاء الدبابة ينزف ويستنجد برفاق السلاح. ثلاثة ساعات مضت ولم يفلح قائد وحدته بإنقاذه. تتهم العائلة القائد بالتقصير. قيادات الجيش وبعد التحقيق والتمحيص المعمَّقَين، خلصت إلى أن ما قامت به الوحدة وقائدها كان "معقولاً" فلا غضاضة على أحد ولا لائمة!.
هي الدنيا. إيقاعاتها تصر على أنها الأبقى وأنها الحقيقة وأنها الواقع. نبضات الزمن تضج كشعاع نور يتدفق من حسناء تتهالك غنجًا واقفة بين ذراعي رفيقها.
بأناة غير اعتيادية وعلى مضض مخفي سمع القضاة مرافعة طويلة لمحامي العائلة. من منهم يجرؤ على إسكات المحامي في قضية حساسة جدًا،ً حتى وإن كانت جميع التفاصيل قد قدمت كتابة في لوائح الدعوى؟
بعد المحامي سمحت المحكمة لوالد الجندي أن يتلو ما كتبه وكانت كلماته حزينة مؤثرة جدًا. سمعوه بصمتٍ كصمت الظلام!.
كان كلامه نبض الزمان وإيقاع الحياة. أفاقني من حلمي وأعادني إلى حيث الغبار والضباب والعبث!
"عن أية معقولية تتحدثون يا سادة؟" قال الأب الثاكل موبِّخًا مَن مثّل الدولة والجهاز العسكري القضائي. "عن أي معقولية تتحدثون وتتناسون قدسية الحياة. القيمة الوحيدة المقدسة. هكذا تشاوفتم وهكذا يتشاوف اليوم قادة الدولة والجيش. لقد جسدتم الاستهتار بعينه وتسببتم بموت رهيب لابني..".
باسم قدسية الحياة تحدث هذا الأب الثاكل. سمعته وتأسيت مرتين. مرة على ابنه ومرة على جهله وقصوره تجاه حيوات من قضوا بنيران دبابات جيش ابنه في حرب، هي ككل الحروب، لا يمكن لمن يقدس الحياة، إلا أن يقف أصلاً ضدها!
كان الجو كئيبًا ورائحة عبث دموي تملأ القاعة، التي بدت ضامرة، أعمدتها وأحجارها، هكذا خيّل لي، تكاد تنهدّ!.
نوديَ على اسم موكلي. من قلب الصمت سمعت اسمه د. محمود رمحي ضد قيادة الجيش وآخرين.
أجلس محمود على مقعد جانبي معد للمعتقلين. هادئًا باسمًا. أدخل حين كانت المحكمة تستمع للقضية السابقة. من بعيد أشاح لي بيده مسلِّمًا. جلس مشدوهًا يتفحَّص ما يجري وينظر إلى مقاعد ملأى بمجندين ومجندات. بعد دقائق غابت الدهشة الأولى عن وجهه. حينها تأكدت أنه استوعب أن ما يجري لا يخص قضيته.
وقفت وبادرتهم: "أيها السادة. من الصعب أن أتحدث بعدما سمعته، فلا قيمة تساوي قيمة الحياة..".. "الأمر صعب لنا كذلك سيد بولس..."  قاطعني رئيس الهيئة وعاد إلى صمته. "بالطبع سيدي. لكني، مع هذا سأتحدث الآن عن قيمة ربما هي الثانية في أهميتها.. الحرية".
أصغى القضاة. موكلي معتقل منذ ثلاثة شهور بعد أن أمر قائدٌ عسكري بسجنه إداريًا لمدة ستة شهور، بلا تهمة ولا لائحة اتهام. موكلي، هكذا قضى القائد العسكري، يشكل خطرًا على أمن المنطقة لأنه مشبوه كناشط في تنظيم حماس.
طبيبٌ بمهنته. زوجٌ وأب لأطفال يفتقدونه ويحتاجونه راعيًا ومحبًا ومعيلاً.
عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني. مثله مثل عشرات اعتقلوا عام 2006 واتهموا بعضوية محظورة في قائمة "التغيير والإصلاح" لأنها تتماثل مع تنظيم حماس. حكم وقضى في السجن مدة 33 شهرًا فعليا. أفرج عنه قبل أكثر من عام وعاد لعمله طبيبًا ولبعض النشاط السياسي في منطقة سكناه.
"هي الحرية يا سادة. القيمة الثانية بعد الحياة وقدسيتها. وهي هوامش الديمقراطية التي تجعلكم تغضون النظر عن قياديين ورجال دين ومجرمين يدعون لقتلنا، نحن الأغيار، ولإقصائنا في صفد وغيرها، والاعتداء على ممتلكاتنا ومقدساتنا. باسم حرية التعبير تصفحون عنهم ولهم. هي هوامش تصبح عرجاء مكسوحة عندما تتحول إلى لعنات وسياط على محمود وأبناء شعبه. فباسم هذه الحرية أناشدكم إطلاق سراح موكلي..".
قلت ما قلت وأخليت القاعة ليسمع القضاة من رجال المخابرات ما لديهم بما يسمى "الملف السري" ضد موكلي.
أوجزت لمحمود ما جرى. شكرني وبقينا على وعد في انتظار قرار.
عدت ومرارة تملأ حلقي. تبخَّر الحلم. فما أن ركبت سيارتي أذاع راديو إسرائيل نبأ إصدار قرار لجنة القاضية شتراسبورغ كوهن بتبرئة من كان مسؤولاً عن إلقاء قنبلة بوزن طن في وسط حي مأهول بغزة، استهدفت الناشط صلاح شحادة وأودت بحياة أبرياء من أطفال ونساء وشيوخ.
"كانت عملية معقولة وتناسقية بمعطيات الظرف"، هكذا قرَّر ثلاثة حكماء من إسرائيل. برّأوا الجميع وأحالوا ما جرى إلى خلل معلوماتي وفني وما إلى ذلك من مهاترات عبثية.
تبخَّر الحلم وما تبقَّى من رذاذه. فموت ذلك الجندي كان "معقولاً" بمعطيات الزمن وإنزال قنبلة تزن طنّا وقتل أبرياء عملية "معقولة ومتناسقة" بمعطيات الزمن أيضًا.
آه يا حلمي المخادع ما أنهكك؟ آه يا محمود! هي الدنيا تصر على إيقاعاتها وتعيدني إلى الواقع الذي جاء بثلاثين كلمة فقط، فبعد أن أطّلع القضاة على المادة السرية لم يجدوا مكانًا للتدخل في قرار قائد الجيش، فابقَ وراء القضبان لأنهم اقتنعوا يا محمود، أنك تشكل خطرًا على أمن المنطقة.
أوجزوا ولم يعجزوا. ثلاثون كلمة أفاقتني مجددًا من حلمي وشوَّهت حلمك. لكنك لا تملك يا محمود خيارًا آخر، فاحلم فحلمك سيبقى أقوى وأكبر من ثلاثين كلمة.   

قد يهمّكم أيضا..
featured

كلمة المربي سهيل عطالله في افتتاح المهرجان الختامي لانتخابات الكنيست

featured

رسالة مفتوحة إلى دوريت بينيش

featured

تعيش الناصرة

featured

بين الصعود نحو الهاوية ورؤية الطريق

featured

الصفقة الخطيرة والحقيرة

featured

رواية مليئة بالثقوب

featured

الاستقلال يؤخذ ولا يُعطى

featured

انهضي يا مصر و اقشعي ثوب الذل و الهزيمة