رسالة مفتوحة إلى دوريت بينيش

single

سعادة رئيسة محكمة العدل العليا الإسرائيلية،
ذهلت عندما قرأت يوم 22.7.2010 البيان الصادر عن مكتب الإدارة العامة للمحاكم في إسرائيل بخصوص قرار الحكم الصادر بحق الشرطي شاحر مزراحي الذي أدين بقتل الشاب العربي محمود غنايم.
فبعد إدانة القاتل مزراحي في المحكمة المركزية في حيفا، التي اكتفت بإنزال عقوبة السجن الفعلي لمدة خمسة عشر شهراً، قبلت محكمتكم الموقرة استئناف النيابة العامة للدولة وضاعفت عقوبة السجن الفعلي الملقاة على هذا الشرطي لتصبح ثلاثين شهراً.
إنها من المرات النادرة حقاً التي تختار فيها إدارة محاكم الدولة أن تصدر بياناً تبرر من خلاله الدواعي التي أدت إلى إلقاء عقوبة على من اتهم وأدين في محاكمها، لاسيما في جريمة قتل راح ضحيتها فتى عربيٌ في مقتبل العمر.
أن تضطروا لإصدار بيان في مثل هذه القضية هو أمر يشير إلى اهتزاز مكانة المحاكم والقضاء بشكل عام في هذه الدولة. إنها إشارة على ضعفكم ودليل لفهمكم الخاطئ لما يجري منذ أعوام طويلة داخل المجتمع الإسرائيلي وداخل منظومة الحكم التي انهارت أسسها القيمية وتراجعت فيها سلطة القانون لصالح ما نشهده ونحياه من مظاهر الفساد والعنف واستقواء قوى الشر، التي استوطنت في كثير من مواقع القول والفصل والحكم، وباتت أقرب مما تتصورون للإجهاز عليكم، لتُحكم بذلك سيطرتها الكاملة، بعد أن تمكنت من السلطتين التنفيذية والتشريعية.
سيدتي،
ما سأكتبه هنا قلته أمامكم في عشرات القضايا التي مثّلت فيها فلسطينيين، اعتقدوا وتمنوا أن يفوزوا بقسط مما حملته محكمتكم من اسم ومكانة، لكنكم لم تنصفوا مقهوراً ولم تعدلوا مع مظلوم.
هل تذكرين، سيدتي، كم حدثتكم عن قراقوش الشرقي وعن دون كيشوت الأندلسي، وعن كافكا وعبثية الحالة التي يعيشها الفلسطيني الملتجئ لفيء عدلكم المُدَّعى، عن ميكيافيللي، المتجسدة نظرياته في كل أمر اعتقال إداري، أو بيت هددته شفرات الهدم الاحتلالية وأسير يئن في ظلام سجن لم يعط أبسط وأول حقوقه، عندما يمنع من لقاء محاميه لأيام وأسابيع وعن أم لا تستطيع أن تلتقي أولادها وعن تلك التي "خسرت" حق إقامتها وعن ذلك الأب الذي يواجه أمر إبعاده إلى اللامكان وعن وعن .....
هل تذكرين كم مرة صرخت في آذانكم، هناك على قمة "جبل السماء"، في ذلك البنيان الذي شيد على أوهام قدسية من أحجار القدس الجميلة، محاكياً هياكل الحكمة والشرع الدارسة. كم مرة أكدت أنني أخاف عليكم، فأنا كإنسان أريدكم، أنت وزملاءك القضاة، أقوياء وسدنة لصفاء القانون الذي يحمي الضعيف من سلطان مستبد عاسف. كم مرة صرخت وأكدت أنني كمواطن في الدولة أريدكم أقوياء أحتمي بقوتكم من أجل حق يسلب جوراً وبهتاناً. كم مرة أكدت وصرخت أنني كابن لأقلية قومية في هذه الدولة أريدكم أقوياء كترس يصد عني مخالب تدمي وأنياباً تجيد القبض على كل مقتل في جسدي.
لم يسعفني قراقوش وسائر الشهود، فأنتم من برجكم العاجي لم تصغوا ولم تصدقوا ما قيل وحكي. عِبر التاريخ لم تكن عندكم إلا دعابة وطرفة.
سيدتي، هل تذكرين كم مرة عُنّفت لأنني تجرأت أن اسمي ما يجري عنصرية وقهراً وظلماً؟ لم أقبل تعنيفكم ولم أصمت وكررت في كل مرة ما آمنت به دائماً، لأن كل تراجع لكم أمام سطوة قاهر وقامع وعنصري يسبب سقوط ضحية مباشرة، ولكن هؤلاء، كما العلقات، لا تكتفِ ولا تشبع فبطبيعتها تعيش على مزيد ومزيد.
سيدتي، تفوح من بيانكم رائحة التبرير والاعتذار والتزلف، فأنا لا أرى أن واجب المحكمة أن تؤكد على حق الشرطة باستعمال السلاح في تأدية واجباتها، حتى وإن أشرتم إلى ما يسمى تعليمات إطلاق النار الواجب اتباعها والتي لم يتبعها الشرطي مزراحي كما كتبتم.
المذهل هو ما جاء بعد هذه الفقرة، حينما أكدتم أن الشرطي مزراحي أطلق النار من مسافة قريبة جداً وتسبب بقتل المرحوم غنايم.
سيدتي، قرأنا وسمعنا أن الشرطي لم يكن في حالة تستوجب استعمال السلاح أصلاً، ولا في حالة خطر أياً كان وأن إطلاق النار كان من مسافة قصيرة وأن.. وأن... وهنا أتساءل، ألم يكن من الضروري، في حالة اضطراركم لإصدار بيان شرح وتبرير، أن تفعلوا ذلك أمام الضحية وعائلتها الثاكلة؟ ألم يكن هنالك ضرورة لإفهامنا لماذا لم يتهم الشرطي أصلاً بالقتل المتعمد؟ ولماذا تكتفي محكمة في إسرائيل بإلقاء عقوبة خمسة عشر شهراً أو حتى ثلاثين شهراً على من قتل إنساناً في ظروف وملابسات كتلك الواردة في حكمكم؟
سيدتي، أتساءل، لو قتل مزراحي يهودياً في نفس الظروف والملابسات أكانت النيابة وبعدها المحاكم لتسلك كما سلكت في حالة محمود؟ وأتساءل، ربما من باب السذاجة، لو قتل شرطي أسمه محمود يهودياً في نفس الظروف والملابسات أكان الموقف يؤدي إلى نفس النتيجة والتداعيات؟
أكدتم في نهاية بيانكم أن زيادة الحكم كانت مستوجبة، كي تعبر عن خطورة المخالفة التي اقترفها الشرطي وانعكاساً لفهم لا خلاف حوله، يقضي بأن أفراد شرطة إسرائيل ملزمون أيضاً بتعاليم القانون وأنهم ليسوا فوق هذا القانون!
هكذا كتبتم وأنا أتساءل: لو كان هذا صحيحاً أكنتم بحاجة إلى إصدار بيان يدافع ويبرر عقوبة أنزلت في حق قاتل سيكون في بيته قريباً؟ لو كان هذا صحيحاً أكنا نقرأ عن استطلاع رأي للجمهور، يبين أن أكثر من ثلثي المشاركين فيه يعتقدون أن الشرطي مزراحي بريءٌ ولا يجب محاكمته؟ لو كان هذا صحيحاً أكنا نقرأ عن هذه المجموعات من الوزراء وقيادة الشرطة الحالية والسابقة والغابرة، وكلهم يُجمعون على وجوب الإفراج عن الشرطي حالاً؟
ما كتبتم، سيدتي، غير صحيح. الحقيقة هي أنكم ضعفاء وتخافون. الحقيقة هي أن بيانكم هذا هو خطوة في مسلسل "قطف الرأس" ومسيرة تراجعكم بهرولة أمام ذلك الدب الذي يركض وراءكم ولن يكف.
الحقيقة سيدتي أن جهازاً قضائياً يحتمي بحراس يرافقونه حتى أبواب غرف النوم، لن يقوَ على ظالم وقاتل مهما برر ودافع. الحقيقة هي أن جهازاً قضائياً لا يميز بين الضحية وبين الجلاد لن يحمي حتى جلده، مهما انحنى وطأطأ الرأس والهامة.
سيدتي، "أُكلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض" كانت من القصص الشعبية الموروثة في ثقافتنا والتي رددتها، أحياناً، في مرافعاتي القانونية، وستبقى هذه حكمة ضحيةٍ لضحيةِ المستقبل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

عطفا على قطة عسقلان...

featured

الصهيونية همزة الوصل بين "الوهابية، و"المحافظين الجدد"

featured

فقر الدم في الشيخوخة (1-2)

featured

لكلّ عينٍ مشهد

featured

جنوب إفريقيا من الكولونيالية إلى الابرتهايد

featured

نظام فاسد وتافه يحمي رجلا وزمرته التافهة!! وهل الطيور الا على اشكالها تقع؟!