يعتصر القلب دما احمر قانيا، رقراقا، مهراقا، مسكابا، مسفاكا، حزنا ولوعة وألما، حين نشاهد ما يجري في سوريا الحبيبة، الأبيّة،العصيّة، النديّة، الوفيّة ، السخيّة، العذيّة، العربية، الوطنيّة والقوميّة معا، سوريا الحضارة، الجسارة، الامارة، السؤدد والاباء، العطاء والسخاء، التسامح والاخاء، الرقي والبلسم والدواء والشفاء، من دمشق الفيحاء، الى حلب الشهباء، الى درعا الشماء، والسويدا الوفاء، وبانياس الاخاء، قامشلي البهاء، لاذقيّة السناء، طرطوس البناء، العاصي الآسي، الفرات الخيرات وبقيّة الانحاء والمحافظات العصماء. تعود بنا الذاكرة الى الاغاني الوطنية العطرة التي تغنّى بها كبار الشعراء والملحنين والمطربين، في تشييد صرح هذا الوطن العصيّ على الغزاة الطامعين الجدد، من الطبيعي ان تكون محطّتنا الاولى مع النشيد الوطني: حُماة الديار، كلمات خليل مردم بك والحان محمد فليفل:
حُماة الديار عليكم سلام اْبتْ ان تَذِلّ النفوس الكرام
عرين العروبة بيت حرام وعرش الشموس حِمى لا يُضام
ربوع الشام بروح العلا تحاكي السماء بعالي السنا
ثمّ ننتقل مع القارئ العربي الوطني الكريم الى قصيدة: بلاد العُرب اوطاني، شعر فخري البارودي والحان محمد فليفل:
بلاد العُرب اوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان
فلا حدّ يباعدنا ولا دين يفرّقنا لسان الضاد يجمعنا بغسّان وعدنان
فهبّوا يا بني قومي الى العلياء بالعلم وغنّوا يا بني امّي :بلاد العُرب اوطاني
كيف لنا ان ننسى، معاذ الله، النشيد الحبيب : سوريا يا حبيبتي، حيث الامل والعمل، والتطلّع الى غد مشرق، رغم المؤامرات الدنيئة، ليس من الاعداء وحسب، بل ومن ينطبق عليهم:
وظلم ذوي القربى اشدّ مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهنّد
مع الف رحمة لطرفة بن العبد، رغم مجونه وسكره وعربدته:
سوريا يا حبيبتي /اعدت ِلي كرامتي اعدتِ لي هويّتي / سوريا يا حبيبتي/بالحرب والكفاح وشعلة الجراح،تُنير دروب ثورتي /يا يا يا حبيبتي/قنالنا جولاننا سماؤنا وارضنا/تفديهم دماؤنا تحميهم ابطالنا/وبعثنا يسير لمجده الكبير/مبشّرا بعودتي ورافعا كرامتي،مجدّدا هويّتي/
وثمّة قفلة وطنية وارتعاشة شجية تقول :
سوريا يا درب كل ثائر يا قلعة الاحرار والحرائر
صمودك العظيم في الثاْر تزفّ للآمال والبشائر
لم ينته المشوار يا عروبة حتى تعود ارضنا السليبة
ففي الخيام طفلة المصيبة تنادي يا سوريا الحبيبة
اعيدي لي كرامتي، اعيدي لي حرّيتي، اعيدي لي هويّتي
هذه هي سوريا المحفورة في القلب، المرسومة على الجبين، والمطبوعة على الشفاه والألسن، حين نغنّي معا بشمم واباء:
لالي لالي يا علمنا يا غالي غالي غالي اسمك يا وطنّا يا غالي
تحت جناحو انا بتفيّيى انا سوري اه يا نيّالي
مع مشاهد الدماء الزكيّة والجثامين المقطّعة الاوصال، واللوعة والحسرة، سيّان اكان الدم من قوات الموالاة او المعارضة ومن يقف خلفها من متربّصين وحاقدين وطامعين ومغتصبين، فالدم هو الدم والشهيد هو الشهيد، والخسارة للوطن الاْم، سوريا الحبيبة، المنكوبة المجروحة، تلعق جراحها النازفة ولا تندمل، يتعكّر بردا ويحد قاسيون وتنوح حمص وحماة والحسكة وبقيّة الاخوات الثكالى، والمصطادون في الظلام يعبثون ويسرحون ويمرحون، ودموع التماسيح تبلّل ارض الجزيرة رغم حر الظهيرة وبكاء وعويل من في المعرّة الذي فقد المسرّة.
دعونا نعرّج على شاعرنا الفلسطيني ابراهيم طوقان والحان محمد فليفل لنردّد معا بألم وحسرة ولوعة:
موطني موطني /الجلال والجمال والسناء والبهاء/في رُباك في رُباك/ والحياة والنجاة والهناء والرجاء / في هواك في هواك/هل اراك هل اراك /سالما منعّما وغانما مكرّما...
الشاعر اللبناني المعطاء: سعيد عقل، رغم شطحاته وانزوائه وقوقعته والتفافه على عروبته، فقد نظم ارقّ الكلمات، مع الحان الاخوين رحباني وغناء الصوت المخملي الفيروزي الملائكي:
سائليني حين َعطّرْتُ السلام كيف غار الورد واعتلّ الخُزام
وانا لو رحتُ استرضي الشذا لانثنى لبنان عِطرا يا شام
ظَمِئ الشرق فيا شام اسكبي واملاْي الكاْس له حتى الجَمام
وان قال الشاعر عن لغتنا العربية المعطاءة: لا تلمني في هواها انا لا اعشق سواها فنستميحه العذر مسبقا، لنطبّقه على سوريا، فسوريا والعربية صنوان ندان، اختان شقيقتان، توأمان سياميّان متلاصقان، وهذه حكايتنا مع سوريا الجريحة النازفة، المُستنزَفة، المستهدفة، التوّاقة الى الاصلاح، التغيير والعصرنة، طبقا لاحد الشعارات المرفوعة من المرصد السوري لحقوق الانسان، وارجو الا يكون كلام حقّ يُراد به باطل: ديمقراطيّة، مساواة، حرّيّة وعدالة!
دعونا ندخل حرم الشاعر حازم جربوع الزين وبصوت مجد القاسم: كُلّه فدا عيونِك:
كُلّه فدا عيونك سوريا يا غالي الروح ترخص لِكْ وتظللي بالعالي
راياتك فوق الساحات ورجالك عالي الهامات وان ناديتِ بالدمات، والله ما بينعزّ الغالي.
فريد الاطرش سوري المولد،مصري النشاْة،عربي التطلّعات،قومي الطموحات،في قصيدته :وردة من دمنا،كلمات الاخطل الصغير //بشارة الخوري //، يقول بصدق واعتزاز :
ضحك المجد لنا لمّا رآنا بدم الابطال مصبوغا لوانا
عرس الاحرار ان تسقي العدا اكؤسا حمرا وانغاما حزانى
قُم نجمع يوما من العمر لهم هبْهُ صوم الفصح هبْهُ رمضانا
وطالما نحن في حِمى جبل العروبة والثوار، ها هو سلطان باشا الاطرش، قائد الثورة السوريّة الكبرى 1925، في القصيدة الوحيدة المنسوبة اليه، وبصوت فهد بلان الشجي الابي يهتف:
يا طير انا لروح دقدق على كل باب سلّم عليهم بالصبح وغياب
ان شافك وليف الروح قلّلو انا المجروح وقلّلو وليف الروح بالروح منفاي
يوم على يوم لو طالت الفرقة ما نسيت انا يوم ما نسيت انا الرفقة
عالبال بعدك يا سهل حوران شرشف قصب ومطرّز بنيسان
عرسك صبايا ولمّتك ْخلاّن واني غريب اساْل عن الرفقة
تحرم عليّ بدّلكْ بالغير ريحة هلي منّك يا سهل الخير
بالله لو رحتْ المسا يا طير مسّي عليهم طالت الفرقة.
ويبقى جبل الاحرار قاهر الطّغاة وتبقى اسمهان جبلية الجذور مصريّة الحضور، مع الاعتذار للشاعرة/ نعيمة عماشة/، اسمهان بحرية المولد، مصرية التطلّعات، عربية الآهات:
يا ديرتي مالك علينا لوم لا تعتبي، لومك على من خان
حِنّا روينا سيوفنا من القوم مثل العدو ما نرخصك بزمان
يا باي يا مصبّرني على بلواي
وان قال الاطرش مرهف الحس والعاطفة : سوريا ولبنان ...... انا اعشق سوريا ولبنان، ها هو الوديع الصافي اللبناني، يغنّي للوطن المعطاء بصوته المميّز الخاص:
حُبّ الوطن ما اجملو قلوبنا بترخص الو
حُبّ الوطن نور الحياة بكل الدني ما مِنْبَدّلو
سوريا الحبيبة تجتاز هذه المجازر الرهيبة، والفتك بالارواح والممتلكات، تتعرّض الى هذه الحملة البربرية الشرسة، لن تفقد الاصالة ولا البوصلة في هذه المحنة النكراء، ها هو عاصي الحلاّني يغنّي للشام العذيّة بحنين وشغف:
الله محيّي رجال تمشي وتتمايل بسلاحها/ بتدافع عن اهلها وعن عرضها وتفديهم بارواحها/
بدنا نعشق بدنا نحب، بدنا نمشي كل الدرب /ونتعلّم الرجولة ونحب الشام من القلب/
شوفو شامنا عن قرب
راح نمشي الطريق كلّو والحب يفرش ظلّلو /على كل ترابك يا شام، عالوعد رجالك بيظلّلوا/
بدنا نتعلّم الرجولة ونحب الشام من القلب/ مدام الحب بيجمعنا، والبسمة الحلوة بترافقنا/
بقلوبك بيرن الشام،الله راح يبقى معنا/بدنا نتعلّم الرجولة ونحب الشام من القلب /
*شوفو شامنا عن قرب*
هذه هي شامنا شام العروبة، جزيرة الشام، بلاد الشام، بلاد العرب اوطاني، الشام الجريحة النازفة، تُحاك من حولها وعليها المؤامرات والدسائس، كي تعيدها القهقري، وتطمس معالمها الحضارية، المتجلّية في قلاعها، حصونها، ميادينها، معابدها مسجدها الاموي الذي يحتضن ضريح يوحنا المعمدان وصلاح الدين، حيث تتعانق المساجد والكنائس والخلوات والحسينيات والزوايا معا، متوجهة للباري عزّ وجلّ، كي يبعد هذا الكابوس الربوص المتعوس عنها. الشام التي غنّى لها غوار: بكتب اسمك يا بلادي عالشمس اللي ما بتغيب. وحين انتقد الاوضاع الراهنة وبصدق قائلا: خلّينا نقول عن المتظاهرين: مُغرّر بهم وليسوا مجرمين، ومضى قائلا: لا تصدقوا اللي بيوعدوكم بحوريّات الجنّة!
كلّما تصفّحنا الارشيفات والمستندات والوثائق يترآى لناظرينا كمّ هائل من الحنين الى الماضي البعيد والقريب، نزداد تمسّكا بالثوابت الوطنية، الادبية، الحضارية والتاريخية معا. نزار قباني الراحل الحاضر يجلجل صوته عاليا:
وْوَردنا مْفتّح كالفِكَر الملوّنة/وعندنا الصخور /تهوى والدوالي ُمدمنة/وان غضبنا نزرع الشمس /سيوفنا مؤمنة/بلاد كانت/
وكانت بعد هذه الازمنة/ الازمةِ ن. ن/ نعود الى هذا التراث العريق المعتّق المشوّق، لنقرا:
عيونك يا سوريا ساهرة على حدودك ناطرة /جيشك العربي الاصيل راح يحرّر الارض الطاهرة .
لن نبالغ كما بالغ الزجّال اللبناني/الشامي: طليع حمدان حين قال :
لمّا الليالي عالدول بتجور وبتصير ثقلاني/والشام راح تبقى ربيع زهور، موسمي وعي الموسم الثاني/
يا ترابها يا عطر يا منثور، خُذني لعندك شعر حمداني /وفيها القرداحة الحبيبة تزور بتبارَك من رجال غضباني/
وتقول :يا بشّار !انت النور،لا تترك العين تعباني/مطرح ما بيّك نام يا دكتور ودّي من ترابو دوا للشرق/
*صارت عيون الشرق عمياني !*
واذا كان محمد جمال يتغنّى بفتاة احلامه، نستميحه العذر اذا سطونا على ارشيفه في وضح النهار، دون سابق انذار، فسوريا هي حبيبتنا، ليلانا، جميلتنا، دليلتنا، املنا وحاضرنا ومستقبلنا، فنغنّي معه بصدق وعزيمة واصرار:
ما عندي مال اعطيكي/ولا عندي جاه اهديكي/عندي هالقلب يا قلبي/ وما بفكّر انّو بيرضيكي/ما عندي يا ست بدور /ورد وياسمين ومنثور/ ولا جنينة مليانة زهور /حتى فيها لاقيكي/عندي هالقلب يا قلبي / وما بفكّر انّو يرضيكي/عندي احلام واماني،عندي مواويل واغاني/واهات كلا ّملياني عن جَدّ بتتغزّل فيكي /عندي هالقلب يا قلبي ما بفكّر انّو يرضيكي /.
هذه هي سوريا الحبيبة اللبيبة، القريبة النسيبة، الطنيبة القريبة، ونحن مع التغيير، الاصلاح، الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، العصرنة والسيادة، ولكن ... ولكن .... ولكن ليس على درب من يرفعون الشعارات الرهيبة المعيبة:
بشّار اطلع برّا سوريا حرّة حرّة، وكذلك لسنا مع نواح النساء النادبات اللاعبات بالعواطف الدرعاوية: حِنّا ما نهاب الموت يا درعا! فنحن ضد سفك الدماء اينما كان الامر، ومهما اختلفت الحيثيّات والاعتبارات والتعليلات.
نحن مع العقلانية، الاعتدال، المصالحة، المواطنة، الانصاف دون اجحاف، حتى لو غضب الاستعمار وعكاكيزه المأجورة المرتزقة بين ظهرانينا سرّا وعلانية، وسنردّد دائما وابدا مع الاهل الاحرار: شوفو شامنا عن قرب، و:لا لي لالي يا علمنا يا غالي، انا سوري اه يا نيّالي، وليس الخوف على سوريا من ايران، معاذ الله، وانّما من ذارفي دموع التماسيح والوصوليين والانتهازيين!! واذا قسا قاسيون فبردا يلطّف الجو وينعشه، واذا عصي العاصي فالفرات يفرش فروته، واذا جاع الزور فدرعا تفتح ضرعها لارضاع الاطفال واذا تحمّصت حمص فالبوكمال يلملم الاوصال واذا اتسعت حلبة حلب فحمص وحماة تضمدان الجراح واذا ساد الجور فالسويداء هي البلسم والدواء واذا جاع وعطش الرّحّل فالقريّا تقري الجميع، ودار عرى لن تترك عاريا، وصحنايا وجرمانا امّهات ووصايا لليتامى، والصالحية تصالح المتخاصمين وادلب في القلب، واليرموك يقف في المرصاد اذا العدل غاب، الخابور سيقطع اخبار واوصال المتنكرين، الحسكة حسكة في حلوق المنشقّين، الرقّة ترق وتصفو للوحدويين الحقيقيين، منبج تنبذ العُصاة المتبرّمين، والقامشلي سوط على اعناق المنبوذين، وهنا وهناك ننشد مع الوّهاب: يسوع الشهيد على ارضها - يعانق في جيشه احمد، وان ننسى فلن ننسى دلال الشمالي تنشد من شعر خليل خوري قصيدة: من قاسيون اطِلّ يا وطني، فتقول في هذه الملحمة المصغّرة :
من قاسيون اطل يا وطني فاْرى دمشق تعانق السحبا
آذار يدرج في مرابعها والبعث ينثر فوقها الشهبا
لأكاد اسمع الف هاتفة وهران تلثم في العلا حلبا
وهناك صيغة اخرى لهذا النداء الصادر من الاعماق :
من قاسيون اطل يا وطني فأرى دمشق تعانق السحبا
ارى جولاننا في الافق ارى ارى فلسطين المغتصبة ارى
ارى لبنان والريح تعصفه والقلب يضطرب اذا اضطربا
والعين تدمع لجرح عراقنا والجوع في صومالنا نشبا
صهيون صهيون ... مع امريكا في مرابعهم فوق الدماء آه صفّقوا طربا
ونحن لسنا مع نظام الحزب الواحد، بل مع التعدّدية، حريّة التنظيم والاصطفاف والانتساب، ولسنا في قانون الغاب، حتى لو الغراب تاب وشاب.
.... امّا الاخوة، الاهل الاصدقاء والعائلات العربية من بلادنا الذين زاروا الديار الشاميّة في السنوات الاخيرة، ضمن مشروع التواصل، حتى اليمينيين منهم، شافوا شامنا عن قرب، وعادوا باطيب الذكريات والانطباعات عن هذا البلد الابي السخي الحضاري، والسلام على من اتّبع الهدى! وتبقى سوريا في القلب وعند الربّ. هي وشعبها المعطاء.
