وإزاء هذا الوضع الحرج والموقف العسكري الخطير وبعد الاستشارة والمشورة والتداول الذي أخذ الكثير من الوقت يتم الرأي بين القيادات المجتمعة للبحث في الوضع الذي استجد وبناء على طلب شكيب بك بأنه لا بد من عملية "استنفار قصوى" لجميع القوى الموجودة في المنطقة طلبا للنجدة بدءا بأهالي القرى المجاورة كلها وشمالا حتى القوات السورية المرابطة في صفد بقيادة أديب الشيشكلي...
ويقر القرار على أن يتم تنفيذ هذا الأمر والقيام بعملية "الاستنفار القصوى" على عاتق والدي ليركب وعلى عجل مع الدكتور موفق دياب في سيارته "الأوستن" الصغيرة، وهي إحدى وسائل النقل القليلة التي كانت موجودة في البلدة في تلك الأيام، متجهين شمالا وعلى بركة الله... وكان الدكتور موفق دياب شابا لبنانيا مخلصا أتى به قدره إلى هذه البلاد في أنبل مهمة يعرفها الإنسان ألا وهي مهنة الطب والتطبيب ومعالجة المريض والتخفيف من آلامه...
كانت "جمعية إنعاش القرية العربية" في حيفا التي أسسها المرحوم الدكتور عمر الخليل، أحد أصدقاء والدي الأعزاء، ورئيسها القاضي محمد البرادعي، قد قامت في فلسطين لتأخذ بيد قرانا المتروكة وحدها تصارع الحياة، وقوات الانتداب البريطاني مشغولة في ألف أمر وأمر إلاّ مساعدة هذه القرى التي تفتقر إلى أكثر الاحتياجات الأساسية... تركتها على حالها وانشغلت في تحقيق وتطبيق وعد بلفور الذي قطعته على نفسها بإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"...
لم تكن في البلدة عيادة طبية واحدة، كما لم تكن في بقية القرى، اللهمّ إلا ما تقوم به راهبات فاضلات من خدمة مجانية لوجه الله تعالى ومرضاة لوجهه، يداوون ويمرّضون، بقدر معرفتهم، جميع سكان البلدة المحتاجين إلى العلاج!!... وأخذت هذه الجمعية، وقد كان والدي عضوا فيها، تقوم بنشاطاتها الحميدة وفعالياتها المشكورة ضمن إمكانياتها المحدودة، تلك النشاطات الجليلة التي عجزت عن القيام بها حكومة "المصائب" الانتدابية في فلسطين!!... ومن بين هذه الفعاليات تزويد قرانا وخصوصا الكبيرة منها بالأطباء... وكما أسلفت فقد كانت البلاد تفتقر إلى العدد الكافي من الأطباء فتم تجنيد بعض الأطباء العرب من الدول العربية الشقيقة وخصوصا من لبنان الأشم فلبّى الدكتور موفق دياب وهو "البيروتي" الأصل نداء الواجب وهبّ متطوعا، تاركا أهله وأحباءه في لبنان، ليأتي إلى هذه البلدة الصغيرة عام 1946 ليعمل طبيبا بين أهلها ولم يكن يدري في ذلك الوقت أن شفاعمرو ستصبح وطنه الثاني ولقرابة نصف قرن فينقطع فيها عن أهله ويتخذ من أهلها أهلا له!!... لم يكن هذا الطبيب ليعرف لمهنة الطب مقابلا بل كان يبغي في كثير من الأحيان مرضاة ربه وشفاء مرضاه إلا أن الجميع يذكره بالخير كلما تذكروا كيف أنهم إن وجدوا ما يعطونه "فكان به" وان لم يجدوا "فالله معكم"!!... وما أكثر الذين لم يجدوا شيئا!!... كان هذا الشاب حديث العهد في بلد ليس بلده ولكن هذا لم يمنعه من تلبية نداء الواجب والإقدام كما يليق بشبابنا الناهض ليحمل "أبو الياس" في سيارته "الأوستين" الصغيرة ويدور وإيّاه على معظم قرى الجليل: عبلين، طمرة، كابول، شعب، سخنين، عرابة، دير حنا وحتى كفرياسيف ويركا ومجد الكروم ودير الأسد والرامة وترشيحا وصفد وربما غيرها من القرى مستنجدين الهمم لتلبي الجموع نداء الواجب هذا بالإضافة إلى بعض القرى الدرزية (مثل قرية يركا) التي كان لجيش شكيب فرق صغيرة من أبنائها كان هو قد أجرى اتصالات معها واستنفرها بنفسه... ويجتمع في ذلك اليوم (بحسب تقدير بعض شهود العيان) ما يقارب الخمسة آلاف شخص (ربما تكون هذه التقديرات المحلية مبالغا فيها) تحت إمرة القائد شكيب وهاب وان كان معظمهم من المواطنين العزل غير المدربين على شؤون القتال وبدون سلاح وعتاد كافيين...
أضف إلى ذلك أن أديب الشيشكلي الذي تم الاتصال معه في هذه "الجولة" الخاطفة ولا أذكر إن كان ذلك في ترشيحا أم في صفد قد استجاب هو أيضا للنداء وحضر بنفسه ولكنه جاء في ذلك اليوم متأخرا في سيارة جيب عسكرية يحف به عدد قليل من ضباطه الشباب من خيرة الشباب السوري وليذهب بنفسه إلى موقع المعركة ليجد أن كل شيء قد انتهى وليعود مذهولا... ويجتمع في بيتنا في ذلك اليوم كل من شكيب وهاب وضباطه وأديب الشيشكلي وضباطه ورجالات البلدة وزعمائها والعديد من قياداتها ليتم في هذه الجلسة بحث الوضع الخطير الذي نشأ نتيجة سير المعارك في غير صالحنا، تخلله نقاش حاد اثر استيضاح أديب الشيشكلي عن سير المعركة وما الذي حدا به (أي شكيب وهاب) إلى هذا الشكل من الانسحاب بعد هجوم كاسح وناجح قائلا: "إن كنت تريد الانسحاب فلماذا بدأت بالمعركة؟!" واعتبره شكيب بك وضباطه سؤالا استفزازيا وثارت ثائرتهم واعتبروا هذا الكلام اهانة لقائدهم المتمرس في فنون الحرب وانقضّ كمال بك ابن شكيب وهاب على الشيشكلي مدافعا عن شرف والده وشاهرا مسدسه في يده لولا أن والدي تلقاه في صدره ووقف حائلا بينهم صائحا في وجهه "لا يصح أن تهاجمه في بيتي وهو ضيفي وأنا الذي استدعيته" وانتهت "معركة" من الغضب كادت تؤدي إلى كارثة لولا أن تدخل فيها من تدخل من رجال الخير من الشيوخ والعقلاء والحكماء الذين كانوا موجودين ومنعوا شرا كان لا يعرف مداه إلا الله... واضطر أديب الشيشكلي بعد ذلك إلى مغادرة المنزل بعد هذه الجلسة الصاخبة تاركا وراءه اثنين من ضباطه عرفنا فيما بعد أنهما أكرم الحوراني وخليل الكلاس وهما من خيرة شبان الجيش السوري كانا قد رافقاه إلى أرض المعركة ومكثا في بيتنا بعض الوقت بعد أن انصرف قائدهم "ليعاونوا" شكيب بك في محنته ولكن أنّى لهم جميعا أن يتغلبوا على الموقف الرهيب وقد تم ما تم وانتهى كل شيء "والعدو" اليهودي متحصن في كل زاوية من زوايا القرى الثلاث بعد أن دفع إلى المعركة بتعزيزات مزودة بالسلاح الحديث والعتاد والتخطيط العسكري السليم...
وفي أثناء حديثهما عن سير المعركة وتطوراتها قالا من جملة ما قالاه انهما وغيرهم من العسكريين والقادة العرب قد استهتروا بقوة اليهود العسكرية وما كان من والدي إلاّ أن أتى لهما بنسخة من مجلة "الرسالة" المصرية وكانت قد كتبت قبل ذلك الوقت بقليل وفي عام 1947 وقبل حلول النكبة وفي ذلك الوقت بالذات مقالا تقول فيه: "إن قوة الهاغانا تعادل قوة الدول العربية مجتمعة"!!... وأصيبا بالذهول اثر قراءتها!!... وقد قضيا ليلتهما في شفاعمرو وباتا قي منزل الدكتور موفق دياب قبل أن يعودا سالمين إلى قواعدهما في الغد...
ومن الجدير بالذكر ومن سخرية الأقدار أن يلعب هذان الضابطان دورا هاما في حياة سوريا السياسية فيما بعد إذ أصبح أكرم الحوراني رئيسا لحكومة سوريا وخليل الكلاس قائدا للجيش السوري وأصبح أديب الشيشكلي رئيسا للجمهورية السورية، إذ أتى به انقلاب عسكري مثلما أتى بغيره من الزعماء!!...
ويراودني الآن وأنا أكتب هذه المذكرات أمران: هل استوعب هذان الزعيمان مغزى هذا الحديث الذي دار في ربيع عام 1948 وهما يتبوآن أعلى مراكز الحكم في سوريا؟ وهل استوعبه أي زعيم عربي حتى اليوم؟!... وان كان الحديث عن "معركة هوشة" قد أدى بهما إلى حد تقدير القوة العسكرية اليهودية بهذا الشكل فما الذي أغشى على عيون الزعماء العرب، مدة ستين عاما طيلة هذه المدة من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي الطويل في الشرق الأوسط، ومنهم من اشترك بنفسه في معارك فلسطين مثل جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم وربما غيرهم؟!... أسئلة ستبقى تبحث لها عن أجوبة لربما على مدى عدة عقود أخرى ولن تجدها!!...
ونعود للحديث عن هذه المعركة الفاصلة والتي ربما هي التي فتحت الطريق أمام احتلال الجليل!!... إذ عبثا حاول هذا الحشد الهائل من العساكر ومن المقاتلين، الذين تدفقوا على أرض المعركة من كل حدب وصوب، القيام بهجوم معاكس يستردون به ما فقدوه من قرى ومواقع أمامية واستمر النهار بطوله والمعركة في كرّ وفرّ ولم ينجح أي من هذه "القوات العربية" في فتح ثغرة ولو صغيرة في صفوف "العدو" ينفذون منها لاسترداد مواقعهم السابقة وطرد اليهود منها وقد تحصنوا جيدا داخل قرية "هوشة"... والحق يقال فقد استمات جنود وضباط جيش شكيب لإحراز تقدم ما، وهذا بشهادة المؤرخين اليهود وبشهادة الكثير من شباب شفاعمرو الذين قاتلوا معهم جنبا إلى جنب ولكن هيهات!!...
كان يوما كئيبا من أيام شفاعمرو... أذكر أنه كان يوما ثقيلا تبدو في جميع أرجاء البلدة دلائل الصمت الرهيب المخيم على الشوارع والمنازل وكنا نسمع أصوات الرصاص المتفرقة تأتي إلينا وكأنها آتية من الأعماق... كان التوتر والقلق يخيم على أجواء البلدة وسكانها ...
كان والدي مع شكيب بك في قيادته بجانب المعركة وكان معه أيضا جميع رجالات البلدة أذكر منهم الشيخ صالح خنيفس والمرحوم حسين عليان وحمادة محمد حمادة وحسين نكد وحسين نمر وبولص خليل ناصر (أعضاء اللجنة القومية العربية) والمئات إن لم يكن الآلاف من شباب شفاعمرو المناضل وغيرهم الكثيرون من رجالات البلاد وزعمائها، (وأستميح القارئ عذرا إن لم أتمكن من ذكر أسماء كل هذه الجموع الغفيرة من الرجال) منهم من قضى نحبه ومنهم قلائل من لا يزال حيا أطال الله في أعمارهم، يذكرون كل شاردة وواردة من تلك الأحداث المؤلمة كما كان معهم جميع وجهاء القرى والمناطق الذين حضروا مع رجالهم وأذكر منهم على سبيل المثال فقط لا الحصر أبو العبد يوسف دياب ومعه وجهاء قرية طمرة والشيخ جبر داهش معدي ومعه ثلة من رجالات يركا وكثيرون غيرهم من قيادات القرى الأخرى ورجالاتها أعتذر عن ذكر أسمائهم، ليس لأنهم لم يحضروا، بل لعدم إلمامي بكل من حضر...
مالت الشمس نحو المغيب ولم تأخذ هذه الجموع لا حقا ولا باطلا وابتدأ والدي يشك في جدوى هذه المعركة وهو الذي خدم في صفوف الجيش التركي ويلمّ بعض الشيء بأمور الحرب وقد عركته الأيام وعلمته التجارب فلم يستطع السكوت على ما يجري حوله وقال لشكيب وهاب وقد رأى استحالة زحزحة اليهود من أماكنهم التي تحصنوا بها بهذا الشكل الفوضوي: "ما هكذا تدار المعارك يا بك" فأجابه: "ما عليك كل ضباطي أبطال تدربوا على يد الجيش السوري وحاربوا الفرنسيين"...
ولا بد هنا من شهادة حق كان والدي يرددها كثيرا، وبمعزل عن كل ما جرى، ولا بد لي أن انقلها بأمانة تاريخية وقد كان كثيرا ما امتدح هؤلاء الأبطال وأثنى على بطولتهم في الحرب وشجاعتهم في القتال وترحم على من استشهد منهم وأذكر منهم الضابط المرحوم علي الحناوي الذي مرّ من أمام بيتنا في عصر أحد الأيام وهو يلوح ببندقية تشيكية جديدة الصنع كسبها في أرض المعركة بعدما أظهر من الشجاعة ما يعجز عنه الوصف ووعد أن يأتي بمثلها في الغد ولكنه خرّ صريعا في اليوم التالي بعد أن تصدى لرصاص الهاجانا بصدره!!... وكان من بينهم أمثال واكد عامر وأبو الخير رضوان وسليمان ملحم وحمد بالي وإسماعيل قبلان ونايف عزام ونايف حمد وآخرون وجميع الضباط الأكفاء والجنود الذين لم يشك والدي لحظة واحدة في إخلاصهم وشجاعتهم وشهامتهم، كما أنه كان يعتقد جازما أن شكيب بك عندما خرج للمعركة في البداية كان صادق النية عاقدا العزم على تنفيذ الأوامر التي صدرت إليه من قيادته في دمشق فأطاع هذه الأوامر طاعة عسكرية حقيقية فأعد لهجومه الإعداد الصحيح وأحاط أمره بالكتمان التام كما يليق بحفظ الأسرار العسكرية إلى درجة أن خبره لم يتسرب إلى أسماع أي مواطن في البلدة حتى ولا لأقرب المقربين إليه وأكثر الناس مسؤولية بل قام بكل ما قام به في البداية بشكل صحيح وعلى أفضل الوجوه وبكتمان شديد فاجأ اليهود وباغتهم...
وكانت الجموع العربية، التي لبت نداء النجدة في ذلك اليوم (يوم القيام بالهجوم المعاكس لاسترداد المواقع التي كان جيش شكيب قد انسحب منها بالأمس بصورة مفاجئة أذهلت الجميع) قد توجهت مباشرة إلى ساحة المعركة، في حالة من الفوضى وعدم التنظيم يرثى لها، بلا إعداد واستعداد وبلا طعام وبلا ماء وبلا عتاد كاف... وقد سمعت من الكثيرين الذين اشتركوا في المعركة أنه كل ما كان بحوزتهم بضع رصاصات من الذخيرة سرعان ما نفدت!!... هذا عدا عن أن العديد من بنادقهم كانت قديمة الصنع!! (ومع ذلك كبّدوا العدو خسائر فادحة)... وبقي الرجال طيلة النهار يطوون من الجوع ويعانون من العطش وما أن أخذت الشمس تميل نحو المغيب حتى نفدت منها الذخيرة ونفد ما استطاعت أن تتزود به على عجل من ماء وغذاء وأخذ التعب والإعياء من هؤلاء الناس كل مـأخذ وبدأوا يتراجعون كالعسكر المكسور زمرا وأفرادا عائدين أدراجهم كل يبغي العودة إلى بلده راضيا من الغنيمة بالإياب!!...
كان الطريق إلى قرية "هوشة" ومنها من ناحية الغرب يمر صدفة من باب بيتنا وكان أمرا طبيعيا أن تتوقف هذه الجموع وهي في طريق عودتها، بعد أن "انتهت" المعركة!! عند بيت "صاحب الدعوة"، الذي قام باستدعائهم، كي يستريحوا من عناء "الرحلة" ومن هول "المعركة" وطلبا لشربة ماء يرطبون بها حلوقهم الجافة من العطش وكان والدي قد عاد لتوه مع من عاد من أرض المعركة ليجد البيت وما حواليه وقد امتلأ بالضيوف (الكثيرون منهم جاؤوا مشيا على الأقدام) فأسرع لتجنيد كل من استطاع من أهل البلدة مستنجدا الهمم لتجهيز الماء والطعام لهؤلاء الوافدين الكرام ولم يترك نقطة ماء أو رغيف خبز لدى عائلات البلدة إلا وجمعه وأحضر من الدخان العربي أكواما مكومة واستدعى أحد البارعين في لف سجائر الدخان العربي، وكانت يداه تعملان كالآلة، ورجالا آخرين يقدمون الطعام والشراب وكل ما تيسر من زاد ولكن أنّى يمكن إطعام هذه الألوف وهم على ما هم عليه من الجوع والعطش فأخذت الجموع تتكاثر ووجد والدي نفسه في موقف حرج فهم ضيوفه وقد جاؤوا تلبية لدعوته فكيف يستطيع أن يرد لهم طلبا أو أن يدخر وسعا في سبيل راحتهم وتسهيل مهمتهم حتى أن الشيخ جبر داهش معدي رحمه الله وقد عاد من المعركة مع رجاله ورأى هذه الحالة صاح في هذه الجموع مازحا "أي هو الزلمة مجوز ابنه وعازمكم!! تتكون الكو ضربة لازم عليه"!!... تلك الجملة التي كان أبو داهش، رحمه الله، يذكرّ بها والدي كلما التقى به...
ونستطيع أن نقول إن المعركة كانت من أشرس المعارك وسقط خلالها عشرات القتلى والجرحى، وان تضاربت الآراء حول أعدادهم، سواء كانوا من بين صفوف جنود شكيب وهاب أو من المناضلين الأشاوس الذين هبوّا لنجدته، وسقط من أهل شفاعمرو وحدها عشرة قتلى وعشرة جرحى أذكر منهم الشيخ أحمد اليوسف، فضل لويس، جميل الصادق (ولا زلت أذكر كيف مر من أمامي، رحمه الله، على ظهر سيارة الشحن وهو يرتدي قبعته الفولاذية)، أبو يوسف مرعي جميلة وابنه يوسف، يوسف شعبان، والشيخان سليمان أبو رعد وأبو زيدان صالح الشوفانية وسقط بعض من اشترك في القتال من القرى الأخرى عرفت منهم المرحومين حمد حمود من بيت جن وسلمان أبو رزمك من يركا وجرح المرحوم سلمان شحادة من الرامة (خال الشاعر الكبير سميح القاسم) وفقد إحدى عينيه في هذه المعركة حتى ان عدد القتلى والجرحى قد تجاوز المائة، بمن فيهم من استشهد من جنود شكيب وهاب... (وقد اختلفت التقديرات بالنسبة لعدد القتلى الحقيقي إذ قدرت المصادر اليهودية عدد القتلى العرب بـ 156 قتيلا!! ومثله من الجرحى ومن الواضح أن هذا العدد مبالغ فيه بينما ذكرت بعض المصادر العربية أن عددهم بلغ 43 قتيلا)... وتحولت مدرسة القرية (المكتب) إلى "مستشفى عسكري"!! فيه طبيب وحيد هو الدكتور موفق دياب يعاونه في ذلك ممرضة مؤهلة واحدة تدعى (فدوى الخورية) كانت تشتغل في المستشفى الحكومي في حيفا (مستشفى الدكتور حمزة- رمبام اليوم) وبعض شباب شفاعمرو الذين تطوعوا لمساعدته وان كانت تنقصهم الخبرة... هذا "المستشفى" الذي كان يغص بمن فيه وقد استقبل عشرات الجرحى وهم يئنون من الألم والطبيب ينتقل من الواحد إلى الآخر يسكّن أوجاعهم ويعمل لهم "عمليات" على الأرض!! إذ لم تكن هناك لا أسرّة ولا أجهزة حتى ولا أدوية!!...
(يتبع)
