الأحـلام... ذلـك الاتّـهـام الـجـمـيـل!

single

** كيف هي تفاؤليّاتك المحلّـيّة؟

== مجمَّدة بعض الشيء؛ لكنّها حاضرة حيّة عميقًا. لا تختلف بكثير عن تلك الأقلّ محلّـيّةً: القُطْريّة والإقليميّة والعالميّة.

** بربّك، دعنا من كلّ هذه! القطريّ والإقليميّ والعالميّ والكونيّ ليست ضمن متناوَلنا.

== المحلّـيّ جزء من كلّ هذا وذاك وذلك. أنت تدرك هذا تمام الإدراك.

** رغم الصواب في ما تقول، دعنا نتناول المحلّـيّ.

== حاضر.

** ماذا تتوقّع أن يحدث في بلدتنا؟

== لا تصعّب الأمر علَيَّ! مِـن الأسهل لي أن أتحدّث عن أمنياتي، لا عن توقّعاتي.

** عدنا إلى الأمنيات؟!

== من الأفضل لي، ومن الأجمل، أن أتحدّث عن الأمنية لا عن التوقّع. من الأفضل لي أن أتحدّث عمّا هو مفرح مشرق.

** فهمتُ. توقّعاتك لا تُماثـِلُ أمنياتك.

== مِن واقعنا توقُّعاتي مشتقّةٌ، ومن رغباتي وحاجاتي تأتي أمنياتي. ليت الواقع القريب يماثل أمنياتي!

** إنْ تحوّلَت الأحلامُ إلى حقائق، فهل سيكون الواقع جميلاً؟

== لست أدري. لكنّي أشعر دومًا أنّ الحُلم حاجة، بل ضرورة. حاجة إنسانيّة. حاجة حياتيّة.

** تعرف أنت أنّه في انتظارك دومًا "تهمة" المثاليّة أو عدم الواقعيّة والانغماس في الأحلام.

== أعرف أنّها جاهزة كي يوجّهها بعضنا. أعرف أنّ ما أتمنّاه لبلدتي عبلّين ولغيرها يراه الكثيرون أحلامًا بعيدة المنال، وبالتالي تُوجَّه إليّ تلك التهمة المستحَبّة: عدم الواقعيّة.

** أجل، بعضهم يراك مغرقًا في المثاليّة.

== أليسَ ذاك أفضل من أن أكون مغرقًا في الرضا بالموجود، غارقًا في قبول الواقع وفي الرضوخ له؟!

** ربّما... وهناك مَن يراك مكتفيًا بالحلم والتوهّم!

== لاحظْ أنّي أحلم وأعبّر عن أحلامي العامّة على الملأ. هذا التعبير عن الأحلام في حدّ ذاته قد يجوز اعتباره عملاً ما، عملاً قد يدفع عنّي تهمة الانكفاء والاكتفاء بالكلام. لربّما كان "دَوْري" أو "وظيفتي" أن أحلم وأن أعبّر عن أحلامي العامّة. أمّا تحقيق الأحلام، فهو ليس وظيفتي ولا دَوْري. ليته يكون كذلك! لستُ إلهًا ولا سُلطة أو حكومة -إنْ صَحَّ اعتبارُ السلُطات والحكومات محقِّقةً للأمنيات!

** واجبك أن تحلم؟!

== من واجبي أن أشير إلى ما أنا مقتنع به، لا إلى ما يقتنع به مَن يختلف عنّي ومعي. مقتنعٌ أنّ المثال والحلم أجمل من الواقع. مقتنعٌ أنّ بعض أحلام اليوم هي هي واقع الغد، كما أنّ بعض ما في واقع الحاضر قد كان بالأمس حُلمًا...

** أو قلَقًا، أو كابوسًا!

== المسألة -كما تعلم- تتعلّق بالموقع وبالموقف.

** موافق.

== سُوءُ الحاضر سببٌ كافٍ كي نحلم. أعرف أنّ الحُلم -وحيدًا- غيرُ كافٍ، بَيْدَ أنّه ضرورة مُلِحّة. وتحقيق الأحلام الجماعيّة لا يكفيه الجهدُ الفرديّ. صحيحٌ أنّ في عدم تَحقُّق الحلم مرارةً وإحساسًا بالقهر، وصحيح أنّ في انتظار التحقُّق واستعجاله احتراقًا، لكن لولا الحُلم لَـمُـتْـنا غيظًا. وأنا لا أريد أن أموت غيظًا. أتمنّى أن أموت أملاً لا ألمًا!

** أبعده الله عنك، وجعلك من ذوي العمر الطويل العريض.

== أحسنتَ دعاءً! أنا كذلك لا أتمنّى لك إلاّ ما تمنّيتَه أنتَ لي. ما قيمة العمر الطويل حين يكون عَبَـثًا وخواءً؟!

** ذاك هو رأيي؛ ومِن رأيي وجدتني أستمدّ دعائي المتمنّي.

== صدّق، أيّها العزيز... إنّ أحلامنا بوصلةٌ هاديةٌ هي. بوصلةٌ هي إذا كانت مقْنعة وحلوة وباعثة للهمم.

** من المستغرَب أنّي لا أراني مختلفًا عنك اليوم. أجدني متّفقًا معك -بخلاف المعتاد والمعهود عن كِلَيْنا!

== بارقة من أمل! هل تصدّقني إن قلت لك إنّي لم أنزعج يومًا من اختلافنا نحن الاثنين انزعاجًا فعليًّا؟

** أصدّق؛ فأنا كذلك لم أنزعج ولا أنزعج.

== كثيرًا ما أفادني الاختلاف معك. "يحرّضني" هذا الاختلاف على التفكير وعلى التعبير، وأحيانًا يحثّني على إعادة تقييم ما أحمله، إذ يجعلني أعيد التفكير في ما أحمل وما أقول، فأعيد النظر فيه، وأطرح أمامي افتراضَ ألاّ أكون على صواب...

** للمناسبة -وعذرًا لمقاطعتي حديثك...

== لا عليك...

** اعتدتُ أن أَجِدَكَ، في بعض ما تحمله من معتقدات وكلام، متّكِئًا على كلمات لأسياد الكلام.

== لا أنكر أنّ كلمات العظماء العظيمة تساهم في تشكيلي وتكويني، بل في تشكيلنا وتكويننا. يا أخي، تأسرنا كلمات العظماء الحقيقيّين. تسحرنا وتمنحنا عجائبَ من التوازن والقدرة على احتمال الانخذال، والأملَ في اجتياز الأوحال والأهوال.

** ومِن ذلك...؟

== تسحرني جملةٌ تفوَّهَ بها منصور الرحباني، إبّان مؤتمر صحفيّ عَقدَهُ زياد الرحباني قبل بضعة عشر عامًا ليبرّر قراره التوقّف عن عرض مسرحيّته "بخصوص الكرامة والشعب العنيد"، بعد أن تعرّض بسببها لأكثر من نقد إعلاميّ هجوميّ. قال منصور، دفاعًا عنه هو وعن عاصي في وجه اتّهام زياد لهما بأنّهما قد "خَدَعا" الجمهور بأعمالهما الفنّيّة حين صَوَّرا لبنان أخضر عاليًا عادلاً خيّرًا جميلاً...

** ماذا قال منصور؟

== قال الرحبانيّ منصور إنّهما -هو وعاصي- قد صَوَّرا لبنان في بعض أعمالهما كما يتمنّيانه هما ويحلمان به، ودعَّمَ حقّهما أو واجبهما في أن يحلما بجملةٍ جميلة مُجْمِلة تعريفيّة مقتضَبة تصويريّة تشبيهيّة مَصوغة بعامّيّةٍ كالفصيحة: "الحلم هو الصورة الفـجريّة للمعرفة". وما يقال في الحُلم يصحّ أن يقال في الفنّ الرحبانيّ وفي كلّ فنّ راقٍ، فالفنّ ليس مجرّد متعة، بل هو رؤيا تقوم على رؤية ورأي، على بصر وبصيرة، على إبصار وتبصُّر.

** جميل، والله!

== جمّل الله أيّامك وأحلامك!

** هذا سِحْرٌ من لبنان. وماذا لديك من سِحْر مصر؟

== كلّهم في السحْر وللسحْر وَطَن. تسحرني جملة سيّد حجاب الواردة في أغنية مقدّمة المسلسل المصريّ "ليالي الحلميّة" -هل تذكره؟

** أجل أذكره.

== في تلك الأغنية التي سمعناها من حنجرة محمّد الحلو الحلوة، وهي من تلحين ميشيل المصري، يقول سيّد حجاب: "مِنِ اختمار الحلم ييجي النهارْ"...

** الله! "مِنِ اختمار الحلم ييجي النهارْ". "مِنِ اختمار الحلم ييجي النهارْ". درسٌ مختزَل في كيمياء الحياة والتاريخ!

== كما تلاحظ، تلك كلمات مختزِلة مختزِنة -على ما عوّدنا سيّد حجاب في كلامه الشعريّ الحامل رأيًا ورُؤيا-. كلمات مختزِلة مختزِنة لفهمٍ شديدِ العمق للحياة وللتاريخ والتطوّر البشريَّيْن، ملخَّصُهُ أنّ الحُلم البشريّ الجميل، حين يَضخّ عناصرَه في العقول وتضجّ به النفوس، يغدو حقيقةً حلوة تُشرق على الواقع فتُنيره ويستحيل هذا إلى بهاء وهناء.

** بائعُ أملٍ هذا "السيّد" حجاب.

== حجاب حاجبٌ يحرس الأمل. بائع أمل -كما قلتَ-. الشعراء الحقيقيّون أكثرُ مَن يبيع الآمال. غيرهم يبيعون الأوهام والسرابيّات.

** بربّك... من زاوية أخرى، ألا ترى أنّ كواهل الشعراء تنوء بالأحلام المؤجَّلة؟

== ما يميّز هؤلاء الشعراء قدرتُهُم على تحويل ثقيل الأحمال إلى أحلام عذبة، وعلى تحويل الألم إلى أمل ورغبة في العمل. بل إنّ ما بين الأمل والعمل رابط جدليّ نبّهنا إليه سيّد حجاب ذاته في أغنية الحجّار "العمل"، إذ قال: "وِمِـنِ العَمَـلْ/ بِيهِـلّ فَجْـرِ الأَمَـلْ/  يِِـعْـلَى البُـنا/ نِمْـلَى الليالي غُـنا"...

** العمل والأمل والبناء والغناء... كلّ هذا في عشر مفردات!

== يا عزيزي، "الشعر قناديل الراحة في ليل هذا العالم"...

** مَن القائل؟ ذكّرني!

== الرحبانيّان الكبيران على لسان "النسناس" -جوزيف صقر- في مسرحيّة "ميس الريم". هل نسيتَ؟

** عدتَ إلى صاحبَيْك! إنّك لا تستغني عنهما!

== لا أستغني عن أيّ كلام عظيم مهمّ وجميل، فكلّ المبدعين أصحاب لي وأحباب. عن سيّد حجاب كذلك لم أستغنِ ولن...

** تفضَّل ثانيةً...

== أحلم بعبلّـين تعيش الديمقراطيّة، تمارسها. أحلم بالعبلّـينيّ يَقبل الرأي الآخر ويحاول أن يستمدّ منه قوّة وتنوُّعًا. أحلم بعبلّـين تقبل الاختلاف. أحلم بعبلّـين مسيَّسة وطنيّة إنسانيّة. أحلم ببلد يعشق الورد، يقدّس الحياة. أحلم ببلد يُجِلّ الجذور ولا ينسى الزهور والبذور. أحلم بعبلّـين تُشرّفُ مَن يَقطنها وتُكرّم مَن يقصدها. أحلم بعبلّـين تعرف كيف تُحيل الحُـلْمَ حياةً، والحِـلْمَ نهْجَ حياة...

** هل...؟ عفوًا! تابعْ تفصيلَ أحلامك المتيقّظة!

== أحلم بعبلّـين بلدةً لا يفكّر ابنها في النأي عنها تخلُّصًا منها ومن متاعبها. أحلم بوطن لا يرى العِلمَ عدوًّا ولا الثقافة خطرًا، ولا يتّخذ العلمَ وسيلةَ تجهيل. أحلم بوطن لا يستهين بالأحلام ولا يستخفّ بها. أحلم بعبلـّين جديدة كالقديمة نخوةً وصفاءً. أحلم بعبلّـين بلدةً فيها لا يحسّ السفيهُ الطائشُ العدوانيُّ بِراحةٍ وهدأة بال، ولا يرى أيٌّ من أبنائها أنّ التبطّل والباطل من البطولات. أحلم بعبلّين -وبوطني وبأوطاني عامّة- كما يحلم سيّد حجاب...

** عرِّفْني أو ذكِّرْني بحُلمه!

== لا أظنّك تنسى كلام سيّد حجاب الذي لحّنه بليغ حمدي وصدح به علي الحجّار في مسلسل "بوّابة الحلواني" المتعدّد الأجزاء كالمسلسل الآخَر "ليالي الحلميّة" -فهو كمثله متعدّد الأجزاء خالٍ من الاختلال والافتعال، طويلٌ وخالٍ من التطويل.

** طُولٌ وخلوٌّ من التطويل! معادلة صعبة. أليس كذلك؟

== بلى، لكن لا صعب ولا عجب حين يكون مَن كتب السيناريو والحوار للمسلسلين هذين كاتبًا بقامة أسامة أنور عكاشة!

** رحمه الله. كاتبٌ مُتحِفٌ.

== رحمه الله...

** تذكّرتُ... تذكّرتُ بداية كلمات المقدّمة في "بوّابة الحلواني":

"اللي بنى مَصْر كان في الأصل حَلَواني

وعشان كِدا مصر يا وْلاد حلوة الحلوات"...

== يا عيني عليك، يا ناسيًا يتذكّر!

** يا أخي، الكلام الجميل السلِس يبقى في البال. يبقى بعضُه -على الأقلّ.

== تعال أذكّرك بخاتمة هذه الأغنية الآسرة النادرة التي لا أراك تتذكّر سوى مقدّمتها:

"بَـحْـلَمْ يا صاحْبي

وَانـا لِـسَّـه بَحْبي

بِدُنيا تانْيَه ومَصْر جَنَّه... يا صاحْبي

وَاجِي احقَّق الحلم أَلْقى الموجْ عالي... طاحْ بي

وِنْعود سَوا نِطوي الأنينْ بالحنينْ

وكلّ دا ومصر يا وْلاد حلوة الحلوات".

** يا سلام! "وِنْعود سَوا نطوي الأنين بالحنينْ"! إنّ مَن يعرف قيمة الأحلام لا يفرّط بها...

== تمامًا كما لا يفرّط عاشق الحياة بالحياة. وحين ينكسر حُلم من أحلامه، يحزن، لكنّه يعاوده الإصرار والحنين إلى الخلاص، فيَحمل حُلمه مجدَّدًا...

** فيحبس بكائيّاته وأشجانه، ولا ينكفئ على أحزانه، ولا يستسلم لقنوط أو خذلان.

== هو كذلك حقًّا!

** طيّب... وإذا تَحقَّق الحُلم؟

== دفعًا لضجر الأيّام واستبعادًا له، تبدأ رحلة حلم جديد...

** قرّرت المحكمة بخصوصك ما هو آتٍ: "حالِم"... "من الدرجة الأولى أكيد"!

 

hajhanna@gmail.com

عـبـلّـيـن

3/10/2010

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

السعودية تتخلّى عن مقاتليها..

featured

يا أبا نرجس الوداع

featured

الاعدامات الميدانية سياسة رسمية

featured

منظمة التحرير في خطر (2)

featured

"دولة اسرائيل لم تعد مشروع الشعب اليهودي"!!