ما يشغل بال ويثير قلق المنظمة الصهيونية العالمية واذرعها من الوكالة اليهودية الى حكومة اسرائيل ان مكانة اسرائيل والصهيونية قد تدهورتا بشكل كبير عالميا حتى في البلدان التي كانت تعتبر انظمتها وحتى الرأي العام لشعوبها وكرا لدعم العدوانية الاسرائيلية والصهيونية سياسيا وماديا وحتى ايديولوجيا. والمقصود هنا ان اكثر ما يثير قلق ومخاوف المنظم الصهيونية العالمية وحكومة اسرائيل ليس فقط، وليس بالاساس انحسار التضامن العالمي مع اسرائيل العدوان واتساع دائرة الادانة العالمية بين بلدان وشعوب العالم للعدوانية الاسرائيلية بعد هتك عرض كذبة حكامها واذرع الصهيونية العالمية ان اسرائيل الحمل الوديع واحة الدمقراطية المحاطة بغابة من الوحوش العرب الذين يخططون ويعملون لافتراسها ومحوها من الوجود!!
لقد هتك عرض التضليل الصهيوني – الامبريالي خاصة بعد ان فضحت المعطيات المخضبة بالدماء من جراء همجية الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها المعتدي الاسرائيلي في حروبه العدوانية الاسراامبريالية ضد بلدان حركة التحرر الوطني العربي، همجية المجازر والجرائم التي يرتكبها المحتل الاسرائيلي وقطعان مستوطنيه في المناطق الفلسطينية والعربية المحتلة. والدماء البريئة لضحايا حرب الابادة الاسرائيلية في قطاع غزة، دماء الاف الضحايا من المدنيين، من الاطفال والنساء والشيوخ لم تبرد بعد ولا يزال الجرح ينزف دما – ممارسة التمييز القومي العنصري خلال ستين سنة من عمر اسرائيل ضد الاقلية العربية الفلسطينية، ضد المواطنين العرب في اسرائيل زاد من قناعة اوساط واسعة في العالم ان الصهيونية، الفكر والممارسة، الحاكمة في اسرائيل والمنتشرة عالميا، هي حركة عنصرية عدوانية.
لمواجهة اتساع دائرة الادانة العالمية لجرائم العدوانية الاسرائيلية الصهيونية تجد حكومة اسرائيل الجواب التبريري التضليلي البعيد عن الحقيقة والواقع وذلك باتهام كل من يدين او يعادي السياسة العدوانية الاسرائيلية وجرائمها الوحشية او ينتقد ويدين العنصرية الصهيونية بانه لا سامي ومعاد لليهود ولدولة اسرائيل. ولكن اكثر من القلق على انخفاض مكانة اسرائيل العدوان في انظار بلدان وشعوب العالم، فان ما يثير مخاوف وقلق المنظمة الصهيونية العالمية وحكومة اسرائيل الصهيونية ان مكانة اسرائيل والصهيونية قد تدهورت بشكل كبير بين يهود العالم، من الجاليات اليهودية في مختلف انحاء العالم. وهذا ما يؤكده رئيس الوكالة اليهودية العالمية زئيف بيلسكي، الذي انهي في الاسبوع الاخير من شهر شباط الفين تسعة، قبل اسبوع، منصبه كرئيس للوكالة. ففي مقالة نشرها في صحيفة "يديعوت احرونوت" بتاريخ الاول من شهر آذار الحالي بعنوان "شعب في طريقه الى الاختفاء" يكتب "العنوان كان على الحائط منذ زمن طويل، هذا وقت طوارئ بالنسبة لليهود في الشتات يمكن ان يتحول الى كسر كبير من نوع جديد، ليس التقلص في اعقاب الملاحقة، اللاسامية او العنصرية، ولكن تقلص هو نتيجة للوقت الجديد"! ويعطى معطيات صارخة عندما يثير قلق الصهيونيين، يقلقهم اندماج اليهود بين الشعوب التي يعيشون بينها ومنخلال الزواج المختلط الذي يقلل عدد اليهود من ذوي الدم العرقي اليهودي الصافي، اذ تبلغ نسبة الاندماج في امريكا الشمالية 50% وفي كل من بريطانيا وفرنسا 40% و45% في البرازيل والارجنتين و80% في روسيا! وعلاقة يهود بلدان "الشتات" بالمنظمات اليهودية الصهيونية في بلدانهم تضعف وتتدهور، وتبلغ نسبة اليهود ممن لهم علاقة بالمنظمات الصهيونية اقل من 50% من يهود امريكا الشمالية تحت جيل 35 سنة واقل من 25% يقيمون انفسهم بانهم صهيونيون واكثر من 60% من يهود امريكا الشمالية لم يزوروا اسرائيل حتى ولا مرة واحدة، وما يثير قلق المنظمة الصهيونية العالمية وحكومة اسرائيل – كما يذكر الكاتب – ان القسم الاكبر من يهود امريكا الشمالية لم يعد يرى في اسرائيل بالنسبة لهم كمركب مركزي في تحديد هويتهم اليهودية، فخلال الستين سنة الماضية تقريبا كانت دولة اسرائيل "مشروع الشعب اليهودي" المبادر والمنتج الاساسيين للشعب اليهودي في القرن العشرين، ولكن لهذه النزعة حصل تراجع وتآكل كبير ومتزايد. الجاليات اليهودية في مختلف انحاء العالم، وخاصة في امريكا الشمالية – حسب رأي بيلسكي – التي يوجد فيها اكثرية تجمع يهودي خارج اسرائيل، قد طوروا ولاءات والتزامات اولية لبلدانهم التي يعيشون فيها، وليس لاسرائيل، وان هؤلاء من الجيل الثاني والثالث الذي ولد في الولايات المتحدة الامريكية ولم يتلق تربية يهودية حقيقية ولا يتكلم اللغة العبرية!!
وحسب رأي الرئيس السابق للوكالة اليهودية زئيف بيلسكي انه لمواجهة هذا التدهور والتردي "فان على دولة اسرائيل مسؤولية الالتزام بضمان مواصلة بقاء الشعب اليهودي في الشتات، فبعد 60 سنة كان خلالها يهود العالم ملتزمين ومجندين لدعم اسرائيل، فهذا هو الوقت اليوم لتجند الولة والحكومة في اسرائيل لتأمين مستقبل الشعب اليهودي، تغيير الموازنة، العلاقة بين اسرائيل والشتات هو التحدي الكبير المطروح اليوم على بساط الشعب اليهودي، ولحكومة اسرائيل دور حاسم في هذا السياق"!!
كخادم ومدافع عن الصهيونية وعن سياسة حكومة اسرائيل الصهيونية العدوانية يلجأ ديماغوغيا الى الابتعاد عن التطرق الى الاسباب الجوهرية الحقيقية لازمة الصهيونية الحاكمة في اسرائيل وللمنظمة الصهيونية العالمية واضعاف علاقات الترابط بين اسرائيل ويهود العالم، بين اليهودية والصهيونية، الرئيس السابق للوكالة اليهودية لا يتطرق في مقولته الى جوهر ازمة الصهيونية في العصر الراهن، خاصة وان التطور اثبت التناقض الصارخ بين مقولات الصهيونية الاساسية وبين معطيات واقع التطور والمتغيرات. فالسياسة العدوانية لحكومات اسرائيل المتعاقبة قد اثبت ان اسرائيل اكثر مكان غير آمن لليهود وعدم مصداقية المقولة الصهيونية حول تجميع يهود العالم في اسرائيل لانقاذهم من الاضطهاد والتمييز واللاسامية، كما ثبت عدم مصداقية الولاء الازدواجي لليهودي لاسرائيل اولا وللدولة التي يعيش كمواطن فيها خاصة بعد ان انفضحت حقيقة التحالف العنصر+ي بين الامبريالية والصهيونية ربيبة الامبريالية، وان اسرائيل تسمسر بالورقة الصهيونية وباللوبي الصهيوني في البلدان الرأسمالية والامبريالية لابتزاز مزيد من الدعم للعدوانية الاسرائيلية، والمنظمات الصهيونية في البلدان الرأسمالية والامبريالية تسمسر بورقة العدوان الاسرائيلية كمخفر استراتيجي امامي في خدمة الامبريالية لتعزيز مكانة ودور وتأثير اللوبي الصهيوني في امريكا وفرنسا وبريطانيا وغيرها سياسيا واقتصاديا.
ان ممارسة صهيونية لعنصرية منهجية ولعدوانية مفترسة وهمجية بمنهجها ونهجها المعاديين للانسانية وللتحرر القومي والوطني وللسلام العادل والعدالة الاجتماعية، صهيونية هذه هي هويتها الفكرية وممارستها العملية لا يمكن ان تكون قوة الجذب والتأييد والدعم لا من قبل دول العالم وشعوبها ولا حتى من الشعب اليهودي والجاليات اليهودية من مختلف بلدان المعمورة. ولهذا ليس من وليد الصدفة،بل هي نتيجة حتمية لتدهور مكانة اسرائيل والصهيونية عالميا وبين يهود العالم.
