يا أبا نرجس الوداع

single
لم نسألك الرَّحيل، أيُّها النَّمر، فلماذا رحلتَ ولم تسألنا غيابك فلماذا غبتَ وأنت حاضر بيننا، ولما اختفى جسدكَ ولم نرمِ الياطر، بعد، إلى أعماق البحر للرُّسوِّ، لماذا سرحتَ عنَّا يا رفيقي أبو نرجس وما زالت أشرعتنا منصوبة على متن السَّفينة، تشدُّ الصَّواري وتصارع الأنواء وتمخر عباب اليمِّ بثبات كثبوت الشَّمسِ والجبال العالية، لقد فاجأْتَنا وأنتَ على يقين أنَّنا لا نحبُّ المفاجآت، مع أنَّنا نتوقُعها ونحسبها لنتَّقي شرَّها، لكنَّ هذا الحدث الجلل الذي غيَّبَك جسدًا، كان أقوى منَّا جميعًا ومن حساباتنا، وبقيتَ بروحك وتاريخك ونضالك أقوى من نعمة النِّسيان..
كيف رحلتَ أيُّها القبطان وما زالت البوصلة في يدكَ، التي لم تفقدها قطّ، كيف تجرَّأتَ أيُّها الجريء على الغروب والقمران ما زالا على موعدهما معكَ ساعة شروق الشَّمس وغروبها بدقَّة متناهية ومحسوبة، حيث ما زال القمر يهلُّ علينا كلَّ أوَّل شهرٍ بهلاله ويكتمل بدرًا إلى أن يغيب في محاقه ليعود هلاله من جديد، وأنت كذلك ستُبعثُ حيًّا بفكرِك الحيِّ فينا أبدًا..
رحلتَ يا رفيقي نمر مرقس، وأنت تحملُ الرَّاية الحمراء بمطرقها ومنجلها، غير آبه بالوعيد والتَّهديد والتَّرغيب والفصل والنَّفي وقطع الارزاق والمُطاردة والطَّرد، فلم تحِد عن الدَّرب قيْد أنملة، فواللهِ لو وضعوا الشَّمس في يمينك والقمر في يسارك على أن تترك الحزب الشُّيوعيَّ وقضيَّة شعبك ما تركته، لذلك لم تتركه وتابعتَ المسيرة بثقة عزيزة وشموخٍ شموخَ السِّنديان فوق قممِ الجرمق الأشمِّ.
فلماذا تركتنا الآن، وذهبت لتُجاور الجذور، يا جذرنا الحيَّ..
حسبيَ أنَّ الشَّجرة ستبقى يانعة، باسقةً وخضراءَ ومثمرة بثمار طيِّبةٍ وشهيَّةٍ،
وبورود زهيَّة الألوان كالنَّرجسِ بعبيرها الزَّكيِّ وبهيَّة العيان كالرَّوضة بروابيها الفوَّاحة دافقة بخيرها كرابعة أمِّ الخير، فوَّاحة بعطر النَّسرين الأبيض النَّاصع، باعثة الأمل والأمن والطَّمأنينة بأنَّ المعاناة والغُبنِ والظُّلم والاحتلال إلى زوال..
قالوا وراء كلِّ رجل عظيم إمرأة، وهذا عين الحقيقة، فلولا أمُّ نرجس لما صمدَ شريكُ حياتها النَّمرُ ولم تنشأ، فلذاتهما، على ما هنَّ عليه اليوم من حملِ الرِّسالة والتَّألق والحضور والتَّفاني ومواصلة درب السَّلف..
فسلامٌ منِّي لكِ يا أطيب النِّساء يا نبيهة الموقف والثَّبات والصُّمود وسلامٌ لبناتك اللواتي يُكمِلنَ طريقكما على أحسن وجه وصورة وعليك السَّلام يا أبا نرجس..
لقد قال المناضل داود تركي، أبو عائدة:
مَا مَاتَ مَنْ خَلَدَتْ مَآثِرُهُ                        بَلْ مَاتَ مَنْ سَفِلَتْ به الشِّيَمُ
فأنتَ من الرِّفاق الذين إذا ائتُمنوا  أخلصوا وحفظوا العهد وصانوا الأمانة، وإذا وعدوا وفَوا، ولم يخلفوا الميعاد وإذا حدّثوا صدقوا، وأنتَ سيف الكرامة والشَّهامة المُشهر في وجه الحركة الصّهيونيّة والرّجعيّة العربيّة منذ أن ظهرت وأنتَ كما رفاقك الدّرع الواقي والحصين للشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ وطبقته العاملة.. 
فصبرًا على ما أصابكم/بنا، ?إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ?..
وكلَّما أسمع أمل تصدح بكلمات الشَّاعر مروان مخول "أبَّاي يكفيني أنِّي كلَّما أبكي على كتفيك يُغويني الدفا" أُشاطرها الحزن والدموع والشَّوق والحنين.
ويبقى أبو نرجس أقوى من النِّسيان..
قد يهمّكم أيضا..
featured

على طريق الحقوق الكاملة

featured

مصر: من العشوائيات ستهب العاصفة

featured

الانتخابات المحلية.. سياسية بامتياز

featured

رجال ونساء من فلسطين: الثائر المتصوّف سعيد الكرمي (1852-1935م)

featured

أرفع يدي تحيةً وسلامًا لحضراتكن أيها الثوريات

featured

صحافتنا المحلية بين الردح والمسؤولية

featured

تبعات الاتفاقية الفلسطينية-الأردنية

featured

كم أخشى هذا الأمل