*نظرة على واحدة من مآسي الشعب المصري الرازح تحت سلطة المتحكمين فيه، من سياسيين واقتصاديين*
// لا يعرف أحد كيف نمت المناطق العشوائية في مصر حتى بلغت حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 1221 منطقة علي مستوي الجمهورية يسكنها 12,2 مليون نسمة ــ نصيب القاهرة الكبري منها 184 منطقة يقطن بها 6,5 مليون نسمة يمثلون 52% من جملة سكان المناطق العشوائية بالجمهورية ــ هذا الكلام ليس من عندي ولكنه تقرير مجلس الشورى الذي صدر هذا العام عن موضوع العشوائيات في القاهرة الكبري.
وقد عزا التقرير أسباب نمو العشوائيات إلي عوامل اجتماعية واقتصادية، وتخطيطية، وتشريعية، وإدارية.
ولعل أهم العوامل التي أشار لها التقرير ــ عدم توافر الأراضي المرفقة والصالحة للبناء وكذا الوحدات السكنية بأسعار تناسب مستويات الفئات الاجتماعية المختلفة ــ قصور دور الدولة في إقامة الإسكان الشعبي والمتوسط، تعدد التشريعات المنظمة لأعمال البناء، وضعف الآليات التنفيذية لتطبيق القوانين وبطء الأجهزة التنفيذية في إزالة المخالفات والتعديات.
والتقرير هنا يلمح من طرف خفي إلي الفساد المستشري في أجهزة الحكم المحلي لدرجة أن مناطق بأكملها بنيت ظاهرة علي قارعة الطريق (كورنيش النيل ــ عين حلوان) وبمخالفات في الارتفاعات والمرافق ووسائل الحماية المدنية ــ ويملكها آلاف المواطنين بعد أن تكلفت الملايين وفجأة انتبهت أجهزة الإدارة فإذ هي قنبلة موقوتة تنفجر في وجه الجميع.
// جحافل الغزاة
أما باقي المناطق التي تخلفت عن سنين خلت فقد تركت تعاني من الفقر والاهمال والجريمة تنتشر البطالة بين سكانها وتتردي مستويات معيشتهم ــ ويفتقدون الرعاية الاجتماعية والصحية والأمن ــ وتدهور المباني واختلاط مياه الشرب والصرف الصحي.
حينما تذكرتهم الحكومة صدر قرار من مجلس الوزراء قبل 9 سنوات يعطي لهم تيسيرات في ادخال المرافق من مياه وكهرباء وصرف صحي، حصلت الرسوم ودخلت المرافق في أبنية متداعية، لم يلتفت أحد إلي شوارع تضيف بالسابلة حتي ولو استخدموا دراجة أو موتوسيكلاً وترك الناس وشأنهم للبطالة والفقر والجريمة ــ وجري وضع مخططات بالغة العجب ترمي إلي التخلص من سكان هذه المناطق بوضعهم في معازل عنصرية حتي لا يشوهوا جمال الكورنيش، ويتيح للغزاة الجدد أن يسكنوا إلي شاطئ النهر يشاهدون من ضفته الشرقية الأهرام وأبوالهول في الضفة الغربية (فكرة محافظ حلوان عن إزالة طرة البلد، طرة الحجارة، طرة الحيط، طرة الأسمنت) وذلك كما حدث من قبل في مناطق رملة بولاق وحكر عزت.
وبنفس المنطق هجمت جحافل الغزاة لنزيل عزبة البكباشي، وجزيرة الذهب، والوراق في الجيزة.. ويتلمظ البعض بعزبة أولاد علام ــ لقد اكتشف السادة ان هذه المناطق لا يجوز تركها للفقراء واكتشف السادة المحافظون ان الحل في إلقاء سكانها في هذه المعازل بقلب الصحراء مثلما حدث مع أهالي اسطبل عنتر وحكر السكاكيني.. لا مرافق، لا وسائل مواصلات، لا أسواق، ولا مطاعم.
// زمن المماليك
المثير للدهشة الآن ليس في فقر سكان هذه المناطق وبؤسهم مع أنهم مواطنون مصريون يدفعون للدولة رسوماً ويؤدون الخدمة العسكرية ولكن في اكتشاف النهابين الجدد الذين لم تكن مصر تري لهم مثيلا منذ زمن المماليك ان بعض أراضي هذه المناطق تصلح لمنافعهم المتعددة ــ وها هم يتقدمون ومعهم كل أجهزة البلاد للهدم والازالة بدعاو عديدة مثل البناء علي أراض زراعية ومخالفة قيود الارتفاعات ــ وتشبه حملات الإزالة قوات البانزر النازية التي عصفت بكل أوروبا ــ رتبا رفيعة وأجهزة لاسلكية وأعداد هائلة من الجنود منظرهم يثير الرعب وسيارات للاحتجاز.. مع ان وزير النقل علي سبيل المثال يسكن برجا في جزيرة دار السلام الرائعة مخالفاً لكل قوانين الارتفاعات والانخفاضات ولا يقترب منه أحد أو يتذكرون انها كانت أرضاً زراعية من أجود الأراضي.
مصيبة تعالج الحكومة الخطأ بالخطأ الذي يصل إلي حد الجريمة فبدلا من علاج المشكلة بما يجعل المواطنين يثقون انه في صالحهم ــ تعطي الفرصة لصدام بين الأهالي والمحتكرين الجدد المدعومين برجال الشرطة وأجهزة الإدارة.
وقد حددت التقارير التي ناقشت المشكلة الحلول بعد أن قسمت العشوائيات إلي مناطق قابلة للتطوير ومناطق غير قابلة.
// برنامج زمني
أما بالنسبة للمناطق الأولي فإن اقتراحا بإعداد مخططات جديدة لها وتحديد الخدمات المطلوبة وفتح الحد الأدني من الشوارع في المخططات ووضع الاشتراطات البنائية لكل منطقة واستحداث مجلس شركاء لكل منطقة تمثل فيه جميع الأطراف المعنية للإشراف علي هذه المخططات وإعداد برنامج زمني لصيانة المناطق العشوائية وتجميلها وإزالة وإحلال القابلة للتطوير منها.
فقد اقترح لها نموذجان لا نتفق مع الأول منهما وهو الذي يجري تنفيذه لما فيه من رائحة جشع وكراهية للفقراء ويقوم علي إزالة هذه المناطق بالكامل واستخدام أراضيها في أغراض سياحية وفندقية مثلما جري في حكر أبو دومة وأرض الترجمان ــ دون مراعاة لاحتياجات أهالي هذه المناطق ومعاناتهم في الانتقال إلي أماكن عملهم وافتقادهم وسائل مزاولة أنشطتهم المعيشية في المناطق التي ينفون إليها.. والثاني ــ هو نقل المواطنين إلي مساكن مؤقتة لحين الانتهاء من تطويرها بعد إزالة المساكن المتهالكة وهو ما لن يصدقه الناس لخبراتهم السابقة مع الحكومة وأجهزتها.
هناك اقتراح ثالث: تطوير المنطقة في وجود قاطنيها من خلال إعداد مخطط تفصيلي للمنطقة وتدريب الأهالي وإشراكهم في عملية التطوير.
وهو اقتراح معقول ومقبول يجب أن تتبناه قوي المجتمع المدني والبرلمان حماية لملايين المصريين من البطالة والفاقة والمرض حيث تنتشر الأمراض بكل مسمياتها في هذه المجتمعات العشوائية إلي جانب الجهل والخرافة.. لن أخاطب المستثمرين الجدد الذين باتوا يشبهون التشكيلات العصابية بأن يراعوا الله في وطنهم وأهلهم.
أما الحكومة فمسؤولياتها لن تنتهي عند التصريحات الوردية فكفاكم المدن الجديدة العامرة بأسباب الترف واللهو والتجمع الخامس والقاهرة الجديدة ومنتجعات الساحل الشمالي والبحر الأحمر. التفتوا إلي مصريين في عرب سلام وعرب غنيم عزبة الصفيح وامتداداتهم يقتلهم وأطفالهم غبار الأسمنت صباح مساء.. انتبهوا للمعصرة وكفر العلو، عرب غنيم وعرب الوالدة الذين يفتقدون المستشفيات والمياه النظيفة ــ ولسكان عزبة أبوقرن وبطن البقرة الذين يعيشون خارج التاريخ وهم يطلون علي مغاني القاهرة ومباهجها والسيارات الفارهة التي تمرق بالسادة علي الطرق السريعة التي دمرت مساكنهم بسببها.
انتبهوا إليهم فمن هنا ستأتي العاصفة.. طالما بقيت عشوائياتهم همًّا من هموم الوطن.
// مصر المستباحة.. إلي أين؟!
إنه لعجب عجاب كل هذا الخلط السياسي والأدوار المغلوطة وشعب مصر المستباح حقلا لتجارب المحدثين ونهبا لجبروت المحتكرين ومتاعا لسلطة المتحكمين والمسيطرين علي شئون البلاد والعباد حتي عم الفساد تأكيدا للمثل القائل: إذا كان رب البيت بالدف ضاربا، فشيمة أهل البيت كلهم الرقص؟! وهذا يدعونا إلي أن نسأل: هل عقرت مصر (الولادة!!) فمن ينقذها وشعبها من فشل وفساد وترهل نظام الحكم فيها وكل هذا التدهور والتدني البشع في المجتمع المصري في كل مجالات وأوجه الحياة؟!!
من هذه النافذة المضيئة.. نحمل كل الأحزاب، والسياسيين الغيورين علي مصر وشعبها، وكل القوي الوطنية المعارضة كل التقصير والمسئولية.. وكفي مصرنا وشعبها زيفا وخداعا وكلاما طال مداه وكذب منتهاه. ياسادة.. انقذوا مصر وشعبها.
(عن الشقيقة "الأهالي" المصرية)


