صحافتنا المحلية بين الردح والمسؤولية

single

تشهد قرانا ومدننا حالة ملفتة للنظر من تزايد في الصحف الصادرة محلياً، وهذه وصلت أعدادها للعشرات.

ليس من السهل متابعة ما يكتب في جميع هذه الصحف، لا سيما وأن بعضها يصدر ويوزع على نطاق قرية وما يجاورها من قرى أخرى، هذا علاوة على ما يضاف من حين إلى آخر من عناوين تربك من يتابع ويقرأ وتتركه عاجزاً عن حصرها وملاحقة ما يكتب فيها أو معرفة اسم الجهة الداعمة أو هيئة التحرير المسؤولة عما يكتب ويسطر.

في التعددية بركة وإيجابية، خاصةً إن أدَّت إلى فتح الباب لتعدد الكلمة والرأي واستيعاب ما يخطه كاتب مقال أو قصيدة أو غيرها من ضروب الإبداع أو شبهه.

في الماضي حوصر هؤلاء الكتبة والمبدعون بصحافة حزبية، هامش صفحاتها لم يقبل إلا ما اتَّسق مع ما يؤمن به حزب تلك الصحيفة، أو ما راق لمن ائتمن على ضبط ما يحرر ويطبع وينشر، فمن كان منا وعلى شاكلتنا يفوز ويسطع اسمه شريكاً في سرب ذلك الطير، ومن لم يكن فليبحث عن مأواه، ولا فرق إن كان من بغاث الطير أو ديكاً، أو إن كان فعلاً مبدعاً حراً أو مستبدعاً.

باعتقادي أن الدوافع التي كانت وراء إصدار العديد من هذه الصحف كانت دوافع اقتصادية، فهي بأساسها صحائف دعاية وإعلانات، استقطبت محرراً أو أكثر لاذ بها بعدما ضاقت به أخرى و"أناه" لم ترضَ إلا أن تكون سيدة الموقف والتعبير والكلمة.

قلنا إن في التعدد بركة وايجابية، لكنها مقولة، ككل المقولات، لا تصح بالمطلق. وعليه، أخالني أنه وعلى الرغم من الإيجابية الكبيرة في إتاحة هذه المنصات والمنابر لهذا الكم من الأقلام والآراء، إلا أننا نسجل عيوباً بعضها يبقى إفرازاً طبيعياً لازم عملية النشر منذ فجرها وبعضها يشير إلى مخاطر يمكن تفاديها.

عندما أقول إفرازاً طبيعياً نقصد أن الصحافة كانت دائماً مرآة مجتمعها، وهي كذلك في أيامنا أيضاً. لذلك وانعكاساً لما يعتري مجتمعنا من حالات ترهل ثقافيه وجهل وعدمية، نقرأ كثيراً من الصفحات التي تزودنا بأخبار صفراء باهتة، وتغيِّب ما نراه واجباً نقله إلى قرائنا وإلى أجيالنا الجديدة، فعندما تمنع دولة، على سبيل المثال، دخول غانية/مغنية حدودها لأي سبب تافه يتحفنا بعضهم بذلك الخبر "المأساة"، بينما يهمل هذا البعض نبأً عن منع إسرائيل، على سبيل المثال، دخول الشخصية الأكاديمية الهامة عالمياً، نوعم خومسكي، حدودها وتهدر فرصة لتعريف قرائنا بهذه الشخصية  ومواقفها الهامة خاصة إزاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

لا أنوي وضع دراسة نقد تعرِض لواقع الصحافة المحلية، الحزبية منها أو القطرية أو المحلية، فمعظمها بات يوزع مجاناً في محطات الوقود وأكشاك الفلافل والبقالات، وهي لذلك لم تعد صحافة نخب وتحولت إلى سلعة مجانية تدخل جميع البيوت، وتقرأ، بتمايز بعضها عن بعض، على نطاقات واسعة. ولأنها كذلك أسأل: أما آن الأوان لوضع بعض الأسئلة والتساؤلات حول هذه الظاهرة، وحول تأثيرها في المجتمع، وعن فوائدها ومضارها وما إلى ذلك من قضايا، تغييبها، إلى الآن، ساعد على إبقائها ظاهرة منتشرة اعتباطيًا دونما روادع ولا قيود.

إنني أعي أن في عالمنا اليوم، وما يتيحه من إمكانيات مثل السوق المفتوحة والمنافسة الحرة، لا يمكن تقييد عملية إصدار هذه المنشورات ولا التدخل في مضامينها، لكنني اعتقد أن معظم الإخوة المصدرين لهذه الصحف، وخاصةً من يعمل مسؤولاً على تحريرها، يتحلون بمنظومة أساسية من القيم والانتماء الوطني أولاً، والمسؤولية تجاه أبناء مجتمعه، وتجاه بناء الهوية الشخصية والجمعية لأفراد هذا المجتمع.

وفي هذا المستوى، أعتقد أن هنالك ضرورة لتشكيل مجلس أعلى للصحافة والصحفيين، يأخذ على عاتقه وضع ميثاق يؤطِّر عمل هذه الصحف والعاملين فيها ومن يكتب إليها. ميثاق يؤكد على معايير الحرية الفكرية وعلى احترام الآخر، مهما اختلفت آراؤه ومواقفه، ويؤكد على حد أدنى من أخلاقيات التعامل ليس مع من يتفق معك فقط، بل وخاصة مع من يختلف معك وعليك.

في الآونة الأخيرة كثر الكلام عن ضرورة الشروع  بوضع برامج مسؤولة ومدروسة من قبل المؤسسات القيادية في مجتمعنا تعنى بما يتفاقم من ظواهر قاتله بيننا، وفي طليعتها استشراس العنف، على خلفياته المتعددة، وتطاول التشرذم العائلي والطائفي، وكذلك الفرقة والمناكفة بين القيادات السياسية وما تسببه هذه من انقسامات مريضة داخل القرية الواحدة وأحياناً داخل البيت الواحد، ومِن على صفحات بعض الصحف التي تتجند عمياء لمواقف من تنطق باسمهم حزبياً.

لا أظن أن أيًا من هذه البرامج والمشاريع، إن فعلاً بادر إليها المسؤولون، سيكتب لها النجاح دون التعاطي مع حالة الصحافة المحلية وما تفرزه من سلبيات خطيرة، إن لم يضمن تحييدها، بقاؤها سيقوض حتماً أية محاوله مهما كانت جدية من قبل قيادات مجتمعنا ومؤسساتنا الريادية.

لا حاجة لأوصياء، ولا "لمقصات رقابة" ولا "لأعين الأخ الكبير"، لكننا بحاجه إلى تفاهم أساسي ومبدئي حول إطار عام يجمع ما ومن صلح مؤثراً في مجتمعنا، حراً، يحترم حريته بشكل مطلق ولا يدوسها ليرتفع ويحاول قاصرًا أن يطال جباه أحرار خالفوه الرأي والموقف.

نحن بحاجة إلى إطار يربي وينمي أشبالاً تنطلق لحيواتها بعزة وكرامة وشجاعة، على أن تكون هذه شجاعة أسودٍ لا شجاعة ذبابة، فهي وإن كانت لا تخشى أن تحط على أنف أسد من شأنها أن تنغص ولا تؤذي.

باختصار، ما دمنا في معركة شرسة، ومواجهة مع من لا يريد لنا إلا التشرذم  والتقهقر، وما دمنا ننادي الأهل، القاصي والداني منهم، لمعارك يومية نقرأ عنها هنا وهناك، لا بد من أن نصلح أبواقنا كي نسمعها دون أن تصم آذاننا.

وباختصار أيضا، لا أراني أنها مهمة سهلة، لكنني أومن أنها ليست بمستحيلة، فعليكم أيها السادة القياديون أن تشرعوا وتحاولوا، فحتى وإن لم ينضوِ بعضهم ويبقى مستنكفاً مشاكساً، فمن أجل مصلحة هذه الجماهير، التي باسمها تقودونها، تجدر البداية وتصح المحاولة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

أتسمون هذا تجميدًا؟

featured

مئذنة مانهاتن

featured

من أجل حماية الكنيسة والوجود الوطني في الارض المقدسة

featured

لماذا الصين مهمة بتحسين الحوكمة العالمية؟

featured

لتصعيد النضال ضد الحرب