تواطؤ ذاتيّ!

single
الاعلام الاسرائيلي وجد نفسه مضطرًا لتناول مسائل متعلقة بالحريات الصحفية، لأن النار وصلت اليه هذه المرة. مع ذلك، فإن القضية غير مطروحة بمفاهيم الحريات الأساس، بل أقرب الى "التباكي" داخل البيت الواحد/المؤسسة الواحدة. فهذا الاعلام صمت وتأتأ، ولا يزال، في كل ما يتعلق بالجوهر. هذا الجوهر يتعلق بتطوّع الاعلام الاسرائيلي لتبييض صفحات جهاز الاحتلال القذرة منذ أكثر من أربعة عقود؛ يتعلق بالتجاهل السافر لمفهوم حرية الفلسطينيّ بل التآمرعليها مع مؤسسة السياسة والجيش؛ يتعلق بالاذدناب التلقائي لكل بيان "مخزوق" صادر عن الناطق العسكري أو الحكوميّ.
هناك انعدام لعنصر المفاجأة في شكل تعاطي الاعلام الاسرائيلي مع "القضية الأمنية" الجديدة. فالتركيز يجري على "خطورة تسريب الوثائق العسكرية السرية"؛ وعلى الاجراءات الادارية التي منعت، حتى أمس الخميس، كشف تفاصيل احتجاز صحفية اسرائيلية، تتهمها السلطات بتسريب وثائق "سرية" حين كانت مجندة في جيش الاحتلال.
اللاعب المركزي الآن هو جهاز المخابرات الداخلية، "الشاباك". حتى أن رئيسه يوفال ديسكين قام بجمع رؤساء تحرير وسائل الاعلام (العبرية طبعًا) ومراسليها العسكريين لـ "محادثة إرشادية"! هناك راح ديسكين يروي الحكايا عن خطورة ما يُنسب من اتهامات للشابة، عنات كَم، بموجب المعاييرالأساس لفبركة وصناعة المبالغات والأكاذيب الاسرائيلية الرسمية المعهودة.
يجب القول إن الاعلام الاسرائيلي وجد نفسه مضطرًا لتناول مسائل متعلقة بالحريات الصحفية، لأن النار وصلت اليه هذه المرة. مع ذلك، فإن القضية غير مطروحة بمفاهيم الحريات الأساس، بل أقرب الى "التباكي" داخل البيت الواحد/المؤسسة الواحدة. فهذا الاعلام صمت وتأتأ، ولا يزال، في كل ما يتعلق بالجوهر. هذا الجوهر يتعلق بتطوّع الاعلام الاسرائيلي لتبييض صفحات جهاز الاحتلال القذرة منذ أكثر من أربعة عقود؛ يتعلق بالتجاهل السافر لمفهوم حرية الفلسطينيّ بل التآمرعليها مع مؤسسة السياسة والجيش؛ يتعلق بالاذدناب التلقائي لكل بيان "مخزوق" صادر عن الناطق العسكري أو الحكوميّ.
بالطبع، لا يقلل هذا السلوك الاعلامي المذدنب من واجب اطلاق وتفعيل الموقف المبدئي الرافض لتقييد حرية النشر والتعبير وكشف الحقائق. ولكن الى جانب هذا يجب توجيه النقد الواضح لنهج "الرقابة الذاتية" في اعلام اسرائيل، والذي تصح تسميته "التواطؤ الذاتي" مع سياسة المؤسسة الاسرائيلية.
الجانب الآخر للصورة القاتمة يتعلق بالمضمون الذي يُسكت عنه. وهو ما تحتويه الوثائق العسكرية "السرية" من تفاصيل عن منهجية الجرائم. مما كُشف عنه معروف اليوم أن بعض تلك الوثائق تكشف تعليمات واضحة بتنفيذ اغتيالات بدم بارد. وهو ما يتناقض مع روايات الجيش الاسرائيلي الكاذبة وكأن الاغتيالات تتم في حال "العجز" عن القبض عمن تعتبرهم "مطلوبين فلسطينيين"، أو لمنع "خطر وشيك ومباشر".
فماذا يقول الاعلام الاسرائيلي في هذا؟ هل سنسمع منه نقدًا واضحًا لاقتراف جرائم رسمية خارج القانون الاسرائيلي نفسه؟
الى جانب كل هذا هناك اطلاق عملية "صيد الساحرات". فالمؤسسة بجميع أذرعها الملوثة تقول إن المجندة السابقة المتهمة بتسريب الوثائق هي "يسارية متطرفة"؛ وأنها تصرفت من منطلقات ايديولوجية. عمليًا، هذا هو المدماك الأول لمسلسل تحريضي انطلق ولن يتوقف قريبًا. فالمؤسسة ستستغل هذه القضية لمعاقبة من يختارون التغريد خارج سرب النعيق الاجماعي الاسرائيلي.
هنا، لا يمكن للإعلام الاسرائيلي التقنّع بقناع الضحية. بل إنه شريك كامل في كل هذه الموبقات.
قد يهمّكم أيضا..
featured

المرحوم ياسين ياسين أسدي: لا مبادلة ولا بيع.. لا للمصادرة

featured

مصر: من العشوائيات ستهب العاصفة

featured

سنابل من حقول المرحوم"أبو الزاكي"

featured

سوريا وموضوعة الديمقراطية