في لحظة الحراك الشعبي في العالم العربي, قد تقف اللغة السياسية عند تخوم الانفعال والتعجب, مع ما يرافقها من كلام المديح والاطراء, وصولاً الى كف النفس والعقل عن التدخل والتعقيب, بدعوى الحفاظ على طهارة الحراك المتمثلة بالتلقائية والعفوية. بالحدس قبل الحنكة يمكن القول, ان هناك قوى لم تترك للاحداث ان تتفاعل على عواهنها, بل تقدمت حاملة لاهدافها, ساعية لمصالحها, راكبة للموجة, لا تترك للقدر مساحة للغدر, بل تمارس في الآني ما يمكنها من حصاد الآتي. والظن من جهة اخرى ان اليسار عموماً في العالم العربي, لم يبرح مقاعد الانفعال, الى موقع الفعل, والفعل يحتاج الى برنامج بالحد الادنى مرحلي, يحدد المفهوم اليساري والاهداف المتعلقة بالوطنية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. من نافل القول ان نقول ان السياسات والاهداف ليست من القوى المادية للتصارع, فالحسم السياسي ينجلي في اصطفاف وصراع القوى السياسية. ان مبدأ تغليب التناقضات الرئيسية على الثانوية, منشأه الاسراع في هزيمة الاسوأ, كمقدمة ضرورية للزحف نحو الافضل.
ان سياسة الامبرياليات اجلاء واملاء القيادات, بالاستعانة بمطايا محلية, على نسق المجلس "الوطني" السوري, هي اكثر السياسات عداءاً للشعوب والديمقراطية, والموقعة السورية قد تنجلي عن هزيمة تلك السياسة وانبلاج فجر عالم متعدد الاقطاب. ومن ثم فعلى اسنة ورماح الامبرياليات لا تنشأ الديمقراطية, وهذه موضوعة قمينة بالاسهاب حولها في مقام آخر. ان هزيمة القيادة السورية بقوى الشعب السوري شيء, وهزيمتها بالاستعانة بالامبرياليات والرجعيات شيء آخر, فالاولى تقع في صميم مقولتنا الشعوب قوة تغيير, والثانية قد تقع في مجال شراء القوة, واستمالة اصحاب العضلات المفتولة, مع كل ما يعنيه ذلك من الخلوص من الطغيان بطغيان اشد وادهى.
ان مقتل الديمقراطية هو في رفعها الى مصاف العقيدة, ومناط لحل كل المشاكل,لذلك لا ندحة عن طرح السؤال بصيغتين, ماذا نريد من الديمقراطية؟ وما هي الديمقراطية التي نريدها؟.
في غائية الديمقراطية الرأسمالية
ان الامبرياليات اخترن شعاري الحرية والديمقراطية, مع تجاهل وعداء فظ لقيم انسانية على نسق المساواة, العدالة الاجتماعية, تكافؤ الفرص, توازن المصالح, عالم بلا حروب بلا فقر بلا امية, الامن البيئي الغذائي... الخ, والامر ليس وليد المصادفات. فالديمقراطية هي الاقل تهديداً, وقد تكون الانجع وسيلة لتأبيد سيطرة الرأسمالية. فبها يراد ان تكون الآلية لفض صراع الرأسماليين على القرار السياسي والاقتصادي في مستوى السلطة, مع تنفيس الاحتقان الطبقي في مسار تفعيل التناقضات الثانوية داخل الشعب, وتسييس الهويات عند الحاجة, مع الطمأنة الىالمقولة المخادعة السلطة تداولية يوم لك ويوم عليك.
تدرك الامبرياليات بأن الديمقراطية حمالة الفرقة والتنافر داخل مكونات الشعب, ولكنها تعي بان تفوقها يتيح لها الامور التالية, اولاً: احجام القوى الخارجية من العبث في تناقضاتها الداخلية, ثانياً: الفرقة مطلوبة لتأبييد هيمنة الرأسمالية, مع الركون الى ان هيبة رأسماليتها تضمن فصم عرى وحدة المستغلين, دون المس بوحدة الارض والاسواق والايدي العاملة والثروات الطبيعية, وثالتًا: استخدام الديمقراطية كأداة ايدولوجية للمناكفةوالعدوان ,ولتغليف مصالحها القميئة, ورابعاً: ان ترتد عن الديمقراطية والحرية حينما يكون الامن القومي, وامن هيمنة الطبقة الرأسمالية بخطر, دون ان يكون لذلك تبعات دولية على نسق العقوبات والاقصاء. والمكارثية التي انقضت على الحريات والديمقراطية تؤكد ذلك. ولكون الامبريالية الامريكية طغمة بامتياز فقد جمحت للانتقاص من الحريات وملاحقة المسلمين والعرب على اثر هجوم سبتمبر بصمت دولي مريب, والانكى ان جبروتها اتاح لها ان تكون احط دول الاطراف قمعاً مع التحايل على دستورها, عن طريق ابتزاز الدول بتشييد معتقلات على اراضيها, فيها سامت المعتقلين ذلاًوتعذيباً,ما هو ادهى من ممارسات دول الاستبداد. هذا ناهيك عن قتل مئات الالوف على شماعة مكافحة الارهاب وضمان الامن القومي.
لا تتسع هذه العجالة للاستفاضة في نقد الديمقراطية الرأسمالية, ان ما يعنينا هو الكشف عن الوجه الغائيوالاداتي للديمقراطية, والمرتبطتين في الشكل والفحوى والاستخدام بمصالح الرأسماليات الغربية, وهي في تجليها الآني نتاجاً للتفاوت الفظ في موازين القوى.
على فرض,ان ايران تبادلت مع الولايات البأس والشأو الاقتصادي, لكانت الولايات المتحدة ستقع بالضرورة تحت اضغاث الشرذمةومخططات التقسيم , مع النزوع للانكفاء والميل للتفريط بالحريات والديمقراطية بدعوى مقتضيات التحدي, والتصدي,وصيانة وحدة الارض والشعب الامريكي. لذلك فالديمقراطية ليست من الحان النشوة والهيجان,وهي لا تؤخذ كمنتوج ناجز مع دليل التركيب للمستهلك, بل هي في صياغتها خاضعة لمصالح الشعوب, وبالاساس مصلحة الطبقات المستغلة.
- النكوص ام التقدم بسوريا؟
في زحمة التراشق والمناكفات, انسلت مقالة ثرية بالمضامين , للمفكر السوري المعارض عزيز العظمة. والمقالة بعنوان " الحراك الجماهيري وتأزم الحس السياسي", نسوق منها الفقرات الختامية:
" ذلك انه في النهاية ليست الديمقراطية"فشة خلق"وليست طلسماً "سياسياً"و"تاريخياً". وهي ليست شيمة اخلاقية ولا هي ابتسامة ملائكية. ان الديمقراطية ترتيب اجتماعي وسياسي علماني, مناطة المواطنة منزوعة من الاعتبار الديني والطائفي والعشائري والجهوي, ومجالها الجسم السياسي المرجو. وان كان للحراك, ان تحول الى ثورة, ان يكون ذا معنى او قيمة تتجاوز ما هو ناتج عنه من اوضاع, فانه لن يكون له معنى ولن تكون له قيمة, بل ستكون الدماء والتضحيات هباءاً منثوراً, ان لم يكن رافعة للتقدم والرقي بدلاً من كونه –كما ترتجي بعض القوى- سبيلا الى النكوص بالجسم السياسي السوري نحو ترتيب المحاصصة الطائفية والعشائرية, او نحو تمكين الدين واربابه واضرابه من الجسم السياسي ومن تشكيل هذا الجسم بموجب الاهواء الاسلامية. لا يمكن التفريط بهذه التمايزات, او تأجيل النظر والفصل في ما قد يترتب عنه سياسياً, تحت عنوان الديمقراطية والتحالف والمصالحة والمشاركة.
ليست الديمقراطية وليدة الملائكية, بل نتيجة جدلية الصراع والوفاق, ومناط الاثنين السلطة. لا يمكن ولوج هذا الباب على نحو مسؤول وكفء لمن سلم نفسه للمقادير باسم التلقائية واحترام الشارع وتضحاياته, غير راغب في ان يرى وان يسمع وان ينطق."
ان ما سقناه ينبض بالحيوية, ويضع الدماء المسفوحة في المجال العيني المادي لا الميتافيزيائي على نسق الفوز بالجنة. والرجل يتمتع بروح الثورية والمواجهة وعدم التسليم بمسلمات بائدة, ويدين ويقرع السجود للتلقائية وللمقادير, على نسق, الحرية حمراء دع الدماء تسيل, دون ايلاء ولو من باب الاخلاق اهمية للسؤال لاجل ماذا؟ لاجل اية سوريا؟ سوريا المواطنة والديمقراطية والعدالة, ام النكوص بسوريا الى سراديب اطناب وارباب الدين والمحاصصة الطائفية والعشائريه؟ سوريا الاحزاب الوطنية الجامعة, ام النكوصبسوريا الىالجسم السياسي للاهواء الدينية ؟
ان ما يكتبه عظمة بمثابة لطمة مجلجلة لمن اخذ بيراعه الى مهاوي التندر والسخرية حول اصلاحات القيادة السورية ومنها قانون الاحزاب السورية,المؤسس على المواطنة, والجسم السياسي المنزوع من الاعتبار الديني, والطائفي, والعشائري, والجهوي.
ان ما يفطر القلب ويدميه, هو انسياق اصحاب الثورة, والتحدي, والمواجهة والنضال, والكف التي تلاطم المخرز, والارث التاريخي, خلف تهويمات الاعلام الخليجي, والذي لم يكف عن الاطناب, والتكرار ليلاً ونهار, بأن انتصار الحركات الاصولية من سمات المرحلة, ولا رداً لقضاء ولا فراراً منه, والحوقلة هي آهة الثوري وهو يلملم الاشلاء لينهض من جديد. وبدلاً من الاصطفاف بدافع الاخلاق ومحبة الشعب السوري وحرصاً على دمائه, الى جانب سوريا المدنية الديمقراطية, ورؤية ان المعركة على ماهية الديمقراطية في سوريا, قد ترتد ايجابا على مصر لتستنسخ دولة واحزاب المواطنة, يقوم البعض بالترويج لغيبيات اقرب الى الصوفية, وعلى نسق الحتميات, حتما ستهزم الحركات الاصولية, وال حتمًا هذه اشبه بالافيون, ولا تقول شيئاً عن التضحيات الخسائر والزمن, والشرذمة والفرقة واحتمالات الاحتراب المذهبي على صعيد المنطقة.
ان هذا الضرب من الثورية اقرب الى المازوخستية, التي تطلب بدافع اللذة الثورية المزيد من التبريح, والايلام, والتسليم باعتلاء الاسوأ على ظهرها, غير عابئة بسياط قوى الاصوليات, وهي من فرط تأنيب الضمير على وهنها وضعف ذات اليد جماهيرياً, لا تجد من الواجب المقارعة لانتزاع الديمقراطية التقدمية, بل الاستكانة للعقاب الذي تستحقة, مع تمنين النفس والفؤاد, بان مع الشدة الفرج, ومع الغاسق اذا وقب انبلاج الفجر.
أن ما جرى بمصر لا يدعو الى التلمظ بالفرح, والتشدق بابتسامة بلهاء, لكونه كارثة للوطن وللديمقراطية, وانتصاراً مؤزراً مدوياً لمال الرجعية العربية برأسي حربتها تلك السنفورة قطر, والشمطاء سلطة قبيلة آل سعود, وانتصاراً للمقايضات الامبريالية سلطة مقابل موقف سياسي. ان اختزال الديمقراطية كطوابير بشرية امام صناديق الاقتراع, هو ملهاة سوداوية.
- المواطنة اللبنة الاساسية للديمقراطية
من المفيد في معرض المزاودات والمهاترات الديمقراطية, ان نطلع على اسهامات المفكرين السوريين تحديداً, فيما يلي نسوق نصاً لبرهان غليون قبل ان ينفق في سوق النخاسة السياسي:
" فمن دون هذا المبدأ الثالث – المساواة التي تجسدها الدولة القانونية ش.ع.- يمكن بسهولة للحريات والانتخابات ان تتحول الى وسيلة لسيطرة طائفة او قبيلة على الحياة السياسية وتدمير الهدف الاعمق للفكرة الديمقراطية, وهي بناء قاعدة جديدة للتضامن الاجتماعي, وبالتالي جماعة جديدة هي ما نسميه الجماعة الوطني. فلا يمكن فصل الديمقراطية اذاً كنظام سياسي عن مفهوم المواطنية كنمط جديد للعلاقة بين افراد الجماعة الواحدة."(1) وفقاً للنص نقول, لكي ينجز الهدف الاعمق للديمقراطية لا بد من تذرير الجماعات لافراد مواطنيين.
عطفاً على ارهاصات غليون الفكرية نضع نصاً لجلال صادق العظم, ضمن حوار مع موقع الحوار المتمدن بتاريخ 12.01.08:
" وعلى كل حال مسألة المواطنة ليست مهمة بالنسبة للتيارات الاسلامية, الان هم يتكلمون عن المواطنة لكني اشك في جديتهم, لا سيما ان احزابهم السياسية تقوم على اساس طائفي بحيث تكون محصورة بالسنة او الشيعة او بغيرهم... الخ.
عندما تقوم الاغلبية السنية بانشاء حزب على اساس ديني طائفي فانها بذلك تكون قدوة لبقية الطوائف وتشجعها على تأسيس احزاب خاصة بها. وبالتالي فان فكرة تأسيس احزاب على اساس ديني او طائفي تعزز انهيار فكرة المواطنة واعتقد ان ذلك لا يقل خطورة عن انشاء حزب على اساس عرقي في المانيا, لان ذلك يعني العودة الى النازية". ذات الفكرة ترد لدى العظم والقائلة بان قيام الديمقراطية الحقيقية لا بد ان تكون لبنتها الاساسية المواطنة,والعظم يردف بأن تأسيس حزب على اساس ديني, لا يحمل في تضاعيفه خطر انهيار المواطنة فقط وبالتالي الديمقراطية, بل مخاطر الانزلاق في الممارسة لتلك النازية.
في حوار مع العظم حول الاسلام وتطبيقاته, يقول" فالاقلية المسلمة في الهند على سبيل المثال وليس الحصر ( وهي ليست قلة قليلة, بل يزيد تعدادها على 150 مليون نسمة) هي اكبر متمسك واهم مدافع واقوى مروج لعلمانية الدولة الهندية ولاسسها المدنية البحتة, ولا اعتقد بأنها ( اي الاقلية المسلمة) يمكن ان ترضى بغيرها اساساً يقوم عليها البلد سياسياً واجتماعياً. وانه لا يمكن لهذه الاقلية المسلمة ان ترتاح لمبدأ ان تكون المرجعية الاعتقادية في دولتها مرجعية دينية هندوسية او بوذية او سيخية, فانها اي الاقلية المسلمة تمثلت بسهولة بالقيم الغربية على ما يبدو في مسألة فصل دين الاكثرية الهندية عن الدولة الهندية حلاً مقبولاً وليس مثالياً بالتأكيد, لاوضاعها الخاصة.
ونلاحظ ايضاً في هذا السياق, ان الاقلية السنية في العراق اليوم هي التي تجاهر برفضها القاطع للدولة الدينية هناك (دولة ولاية الفقيه ونائب الامام مثلاً), وبدعوتها القوية الى ارساء دعائم دولة عراقية علمانية مدنية تكون لكل مواطنيها استناداً الى اولية المواطنة العراقية المحايدة دينياً وطائفياً ومذهبياً, والا فان السيناريو الاسوأ هو الذي سيسود هناك, وحتى لا يسود السيناريو الدموي الاسوأ ارجح بان صناديق الاقتراع في العراق سوف تميل على نحو ملحوظ ومتزايد لصالح الاتجاهات التي تعمل على تعزيز الملامح العلمانية للدولة العراقية الجديدة وعلى دعم طابعها المدني."
مما سبق نقول بأن معاداة العلمانية أو الدولة الدينية, او الصدوع بهما, خاضع لاعتبارات ولاهواء الفئات ومصالحها وموازين الديمغرافية, باكثر مما هي منوطة باحكام الاسلام. هذه الازدواجية في المعايير يدينها العظم في استهلال كلامه عن الهند والعراق.
- في الديمقراطية الوطنية التقدمية
منعاً للالتباس نقول بان قيام الديمقراطية الحقيقية منوط بزوال انظمة الاستغلال والاستئثار الخاص بوسائل الانتاج, لذلك فان ما ننشده في سياق مقارعة الانظمة الطبقية, هو انتزاع تلك الديمقراطية, القادرة ان تقي وتفيدمصالح الشعوب وبالذات الطبقة المستغلة, مع الاخذ بعين الاعتبار تفاوت موازين القوى مع الامبرياليات, التي اتاحت لها ان تستثمر الديمقراطية داخلياً وخارجياً.
ضمن الاصلاحات تقدمت القيادة السورية, بقانون تقدمي هو قانون الاحزاب, والذي ينص:
" عدم قيام الحزب على اساس ديني او قبلي او مناطقي او فئوي او مهني او على اساس التمييز بسبب العرق او اللون."
حول القانون لنا ما يلي من الامور:
• لقد سقط القانون على الرجعيات العربية وبالاً, لانه ينتزع منها الاداة الكفيلة بتأجيج الصراع المذهبي والطائفي, ونعني الاحزاب الدينية. والقانون الذي يحظر, يذود عن الشعب السوري وشعوب المنطقة, الوقوع تحت طائلة التهويش الطائفي والمذهبي, والمسنود من قوى عاتية بمواردها, ضارية باعلامها,شرسة بعدوانيتها, ونعني الامبرياليات والرجعيات العربية.
• ان مصلحة الطبقة الراسمالية كانت وما تزال, في بث الفرقة وفي اعلاء شأن الهويات ومنها الدينية, بديلاً عن الانتماء الطبقي. وفي القانون نجد ما يجنب الفتنة داخل الطبقة العاملة والمستغلة, و بالتالي يساهم في توطيد وحدتها الطبقية الكفاحية,
• استناداً على نصوص العظم وغليون والعظمة, نقول بان تسيييس الهويات الدينية والعصبيات وتحشيدها في ثكنات حزبية وتكتلات بشرية , تفرغ الديمقراطية من محتواها. ولئلا يضيع النقاش في تلافيفالمروغات المبتذلة, لامكان للرقص على حبلين والفوز بامرين, امر الدولة المدنية الديمقراطية, وامر اجازة الاحزاب الدينية والفئوية. فمن يناوىء النظام السوري ديمقراطياً مدنيًا لا كراية قميص عثمان, عليه ان يقر بالثمن الباهظ التفريط بالاحزاب الجهوية والدينية, والا فاننا سنكون امام دولة استكبار بالملة, واحتكار دون الحاجة للمادة الثامنة, بل بالتحريض والتخرص ونشر الاراجيف وبث الذعر والتهام واقتسام فوائد وعوائد السلطة.
• بالطبع ان الضحالة السياسية, من فرط ابتذالها وانحطاطها وضيق افقها, لا تفقه, وانى لها ان تعي, بان تسييس الدين والعصبيات الجهوية في الحالة السورية هو تسييسللجغرافية, بكل ما يعنيه من دعاوى الانفصال, او الترهل على النسق العراقي.
.
• ان الديمقراطية ليست سفراً دينياً, ولا قانونا نيوتونيا اصم, بل وليدة الشعوب واحتياجاتها, الحد من تعسف السلطة, مع النزوع لتفعيل المجهود الشعبي,على ارضية تسمح بالتداولية للسلطة والسياسة,مع النأي بالشعب عن الشرذمة الهدامة, والثكنات الجهوية المنغلقة, المرتع الخصب للسياسة الامبريالية موطىء قدم, وامتطاء قوى, لكي تبقى الديمقراطية اداة تدر فائدة ولا تضر. وقانون الاحزاب السوري, يجسد العلاقة الجدلية بين الوحدة الوطنية , والمنافسة السياسية, بين الوحدة والفرقة, في ظل الصراع مع الامبرياليات على الاستقلال الوطني.
• تقوم الديمقراطية على خمسة ميادىء, لا سيادة لقلة او فرد على الناس, سيطرة احكام القانون على الجميع, فصل السلطات, ضمان الحريات والحقوق العامة, وتداول السلطة. والتعددية السياسية هي اساس التداولية في السلطة, وهي ليست رديفة التعددية الطائفية او المذهبية السياسية, ففي الاخيرة تكون غاية السياسة خدمة العصبية لا التنافس على البرامج الكفيلة بدفع مصلحة الوطن وتقدمه. والعصبية السياسية تعيد انتاج انتماء الفرد للعصبية لا للوطن, وبدون رد نسب الانسان للوطن تفرغ الديمقراطية من المضمون التقدمي, وتتحول الى آلية للمحاصصة والاقتطاع ان لم تكن اداة للاحتكار, والاستبداد على اسنة ورماح صناديق الاقتراع.
• اجمالاً يمكن القول بانه حيال الاخوان والسلفية تقف ترسانة من الائمة التي تقرأ الاسلام كمحايث للمصلحة العامة ويغلبها ويسعى اليها, لذلك لا غرابة ان نقرأ ما يلي على لسان مفتي الجمهورية السورية " انا لا اؤمن بالاحزاب الدينية لانه يجب فصل الدين عن السياسة فالاسلام اقام الدولة المدنية ولم يقم بالدولة الدينية, وقوى الاسلام السياسي تلعب على وتر الدين لخداع العامة والبسطاء".ان ما يشدنا الى الحالة السورية هو ان تفضي الى حالة تكون فيها الوطنية قائمة على رجلين, الديمقراطية والعدالة الاجتماعية,وهذا لن يتأتى دون نضال ومشاركة عميقة لقوى اليسار السوري.
• والقانون على اهميته, الا انه من قبيل الشرط الضروري غير الكافي, ذلك لانه بدون دولة المواطنة, والعدالة الاجتماعية, والمساواة امام القانون والعدل القضائي, وتحجيم حالة الفساد والجاه المفيد للمال, واستبدال رأسماليات المضاربات والزبائنية الرثة, برأسماليات منتتجة, مع تعزيز دور القطاع العام لاهميته القصوى في صيانة الاستقلال الاقتصادي والوحدة الوطنية, فان مختلف الانتماءات ستجد بأن التربة ما تزال تمدها بمبررات الوجود. مع التأكيد بأن افول مبررات وجود الانتمائيات الضيقة, لاتعني نهايتها الفورية, بل هي تمر في مراحل الوهن والضمور والانكماش الطويلة.
• في النظام الرأسمالي فان القوة الاقتصادية, هي قوة في المستوى السياسي, وتفاوت في موازين القوى بين الرأسماليين والطبقة المستغلة تتيح للاولى الهيمنة السياسية والاقتصادية. لذلك نرى بايجابية قانون الانتخابات السوري الذي يضمن للعمال والفلاحين والكسبة الصغار نصف مقاعد مجلس الشعب والمجالس المحلية والبلديات. ففي ذاك الاقصاء ما يحول تلك الفئات الى قوة سياسية, او لنقل بان المفكر به في القانون هو اعادة بناء موازين القوى السياسية لصالحها. والقانون يسهل عمل قوى اليسار وبلورة الطبقة العاملة كقوى سياسية, الا انه لا يعني اعفاء تلك القوى من مهامها, خاصة وان من سمات الرأسماليات تشويه وعي الطبقات المستغلة, وتطويعها للحيلولة دون طرح مطالبها واستحقاقاتها.
• والقانون السوري يضمن تمثيل العمال في جميع مجالس الادارات التابعة للمؤسسات والوزاراتوالشركات وسائر الجهات العامة, ومعركة اليسار تكمن في اخذ بيد القانون الى مداه الاقصى اي احلاله في القطاع الخاص. من سمات الرأسمالية هو فصم المشاركة السياسية عن تلك الاقتصادية. ان اشراك العمال في القرار الاقتصادي, يساهم في تعزيز الديمقراطية في المستوى السياسي. والديمقراطية السياسية الحقيقية تقوم على هيمنة القوى العاملة على القرار الاقتصادي في منشآتهم.
- الخلاصة والهزيمة المرجوة
ان مقالتنا اجابت على السؤال الاول المطروح في المقدمة, وأما الاطلالة على الاصلاحات السورية فكانت من قبيل مقاربة الفكرة بالتشريعات, مع التأكيد بان قولة الفصل في النموذج السوري لم تحل ساعتها, خاصة وان ما ينقصنا هو هام الا وهو الدستور.
ان التعتيم الاعلامي المطبق حول الاصلاحات السورية, كان يشي بما يضمر, الخوف من ان تقترب القيادة السورية اسوة بالمعارضة اليسارية الوطنية لذلك النموذج القادر ان يسير بقوة الدفع الثلاثية الممانعة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.
ان المعركة على ماهية الديمقراطية, والعدالة الاجتماعية, والوطنية, هي بامتياز مهمة اليسار, وهي لا تعني قولة, او ديباجة, بل باستمرار قدح زناد الفكر, في استنباط القوانين والدساتير القادرة ان تحول الاهداف الى حقائق ناجزة وبارزة لعين الحليف, وتفقأ مقلة الاعداء.
في المعركة على الديمقراطية في سوريا لسنا على حياد, بل هي تدخل في صلب مجال الامن الوطني ان جاز التعبير, فهزيمة المجلس تعنينا وبالاخص تلك القوى اليمينية المتواطئة سياسياً واجتماعياً وطبقياً ونعني حركة الاخوان. نكتب هذه الامور لان هناك مساعي حثيثة لتعليب المجلس وتصديره كقيادة للشعب السوري. ومساعي اخرى لصناعة نخب في صلبها الاصوليات, مع اضافة العسكريين, او الليبراليين, او القوميين...الخ, هذه النخب المرتبطة بوثاق الرجعية والامبرياليات لبلوغ السلطة, معنيون في هزيمتها على ارض متاخمة لنا.
المصادر:
1. المسألة الديمقراطية في الوطن العربي, ص242
حيفا
