أعرف أنّه لا يخافني كما لا أخافه على الرغم من أنني أدرك وأوقن بأن النصر في النهاية له. وأعرف أيضا أنني على الأرض سائح وأنّ ما بقي من العمر - من باب التفاؤل الذي هو طبعي- أقلّ بكثير كثير مما مضى منه. وهذا ما يجعلني في سباق معه فهناك أمور وقضايا تستحق الكتابة ولم أكتبها بعد، فأنا أعيش لأكتب، والقراءة هي طعامي وغذائي المفضل والأساس، هي خبز يومي. وهل هناك طعام أفضل وأطيب من الخبز؟! الخبز الذي كانت تخبزه المرحومة أمّي في الطابون أو الرغيف الذي تعجنه شريكة حياتي من دقيق القمح وتخبزه وتضعه على المائدة محمرا ساخناّ مثل خديّ عذراء حييّة. رغيف فيه اكسير الحياة وأنفاس الطبيعة ولون زهر الخوخ وطعم شفتيّ جدّتي حواء،. ولولا هذا الخبز الذي هو القراءة ما كتبت جملة واحدة أرضى عنها، تفرح القارئ أو تعجبه أو كليهما.
قبل اثنتي عشرة سنة، في الذكرى الخمسين للنكبة، حينما كنت رئيسا للجنة احياء ذكرى النكبة والصمود، باشرت بكتابة مذكراتي ونشرت الفصل الأول منها في مجلة "الكرمل" في العدد الخاص بالنكبة بعنوان "زمن الطفولة الضائعة" ثم نشرت الفصل الثاني في مجلة "الشعراء" بعنوان "نوم الغزلان" ثم الفصل الثالث بعنوان "سفر الخروج" وأعدت نشر هذه الفصول الثلاثة في صحيفة "الأتحاد" كما نشرتها عدة صحف في العالم العربي وتُرجمت الى اللغة العبرية ولغات أخرى وقد سألني عدد من الأصدقاء ومن القراء عن بقية الفصول. لماذا لم أنشرها أو لماذا لم أكتبها؟
تساءلت يومئذ من أنا حتى أشغل القراء بمذكراتي؟ أنا لست زعيما سياسيا ولا قائدا حزبيا ولا مناضلا ثوريا عاش في الأدغال، ولا عضو برلمان، ولا رئيس بلدية، ولا كبير المفاوضين في مفاوضات "حكاية ابريق الزيت"، ولست شابا تغرّب ولا شيخا مات مجايلوه ولست أميرا من أمراء الخليج ولا جنرالا دخل القصر الجمهوري على ظهر دبابة ولا سكرتيرا لراقصة من راقصات الناس "اللي فوق"... كما انني لست كاتبا كبيرا وعالميا مثل جان جاك روسو أو جان بول سارتر أو ماركيز أو طه حسين. ولم أكتب "الكتاب الأخضر" أو رواية من روائع أبي عدي الخالدة.
حَطّ عن بغلتك يا بو علي! هكذا قلت لنفسي يومئذ.
ولكني راجعت قراري وغيّرت رأيي. ألم يقل أحد الجنرالات -لا أحبّ أن أذكر اسمه- أن الحمار هو الذي لا يغيّر رأيه في الحياة. ولا أدري من أين لذلك الجنرال مثل هذا الذكاء حتى عرف لغة الحمير وأفكارهم واراءهم!!
حينما أكتب مذكراتي فأنا أكتب مذكرات جيل ذاق مرارة النكبة وحمل على كتفيه عبء التشرد وعاش أيام القلّة والجوع، ولعب في الأزقة وعلى البيادر حافيا، واكتفى بالخبز والزيت والزعتر طعاما، وانغرس في الوطن متجلّدا ومتحمّلا عنجهية وسفالة الحكم العسكري ورذالة "عربستيم" حزب "المياي" و"قلّة حياء" المخاتير و"قطاريز" السلطان.
جيل ناضل من أجل بناء غرفة مدرسية واصدار كتاب مدرسي وبناء بيت مرخّص. هل تتخيّلون؟؟
جيل صنع يوم الأرض ويوم المساواة وأياما أخر.
جيل ذاق مرارة حزيران الأول وحزيران الثاني.
جيل امن بالقومية وبالوحدة العربية على الرغم من النكبات والنكسات والانكسارات والهزائم..
جيل عاش عقودا زاخرة عامرة بالاحدات وبالأحلام وبالآمال.
آه يا شعبي.. آخ يا شعبي.
هناك ما يستحق الكتابة !!
