النّاس هم الأضواء التي تصنعُ النّجوم

single

تقدّمت فتاة من نحّات إيطاليّ شهير  قائلة: علّمني النّحت.. فما كان منه إلّا أن نظر إليها نظرة ذات معنى وأجابها قائلًا بكل فظاظة: اذهبي و... ( مارسي الجنس)! وقد قصد بذلك أن اذهبي، ثوري،  تفجّري.. بمعنى أن الفنّ هو ثورة وبركان يتفجّر في قلب الفنّان، ولا يمكن لمن ليس في قلبه ثورة أو بركان أن يصبح فنّانًا.
وبعد، فليس الأمر  في السّياسة سهلا كما الحال في السّينما. ففي الأخيرة يستطيع المخرج أن يصنع من شخصيته بطلا ونجما.. يسلّط عليه الأضواء، فيضع في فمه الحكمة والفلسفة ليجعل منه أرسطو حينا، ويروي عنه المغامرات والقصص ليظهر دون جوان حينا آخر.
ولكنّ الأمر مختلف تماما في السّياسة، إذ لا يمكنك أن تضحك على جمهور السياسة كما تضحك على جمهور السينما. وربما يصفّق لك في البداية، ولكنه حين يكتشف أمرك لا يرحمك، ويدوسك بالأقدام في نهاية الرّواية.
فهناك من يحاول أن يسوّق البعض ويصنع منهم نجوما سياسيّين، لغاية في نفس يعقوب، ولحماية مصالحه، أو لخدمتها، وكما تظهر الدّعايات للماكدونالدز والكوكا كولا وأحمر الشّفاه والملابس الدّاخلية، يظهر هذا النّجم الجديد في الصّحف، وفي المواقع الألكترونيّة على اختلافها، في مناسبة وغير مناسبة. ويحشر نفسه في كل صغيرة وكبيرة، في الدّين والاجتماع والاقتصاد والتعليم والرّياضة والفلسفة والسّياسة والأفراح والأتراح، حتى يصبح "جوكرا"  يلعب كل الأدوار، وضريبة مفروضة على كل صحيفة وموقع.
أمّا النّاس، أو السّواد الأعظم على أقلّ تقدير، فلم ولن يأخذوا هذا السّياسيّ الجديد مأخذ الجدّ، بل تراهم ينظرون إليه كمن ينظر إلى دعاية جبنة البقرة الضاحكة، أو شفرات الحلاقة، أو حليب تنوفا.. فكما أن شركة تنوفا تهنئ المسلمين والمسيحيين والدروز بأعيادهم، كذلك هو هذا السياسيّ يهنئ المسلمين بالفطر والاضحى والمولد النّبويّ، والمسيحيّين بالميلاد والشّعانين وغيرهما، والدروز بالنبي شعيب وهكذا. ولكن الفرق، أن تنوفا وغيرها من الشّركات التّجاريّة تستطيع أن تفرض منتجاتها وبضائعها على جمهور المتسوّقين، ولكن السّياسي لا يستطيع أن يفرض نفسه نجما سياسيا.. فأنا من أولئك الذين طالما آمنوا بأن الشّاعر يولدُ شاعرًا، والفنّان يولدُ فنّانًا، والرّسّام يولدُ رسّامًا، واللّاعب يولدُ لاعبًا، والموسيقار يولد موسيقارًا، والسّياسيّ يولدُ سياسيًا، فالسّياسة فنٌ وثورةٌ وبركانٌ، كما هو النّحت والرّسم والشّعر وسائر الفنون الأخرى.. فالنّاس هم الأضواء التي تصنع النجوم..
قد يهمّكم أيضا..
featured

لضمان حرية المعتقد الفكري والسياسي والديني!

featured

بوكو حرام وبدعة الجهاد

featured

الانتماء الجميل لمن؟

featured

التعددية السياسية والإعلامية

featured

من أول غزواته كسر عصاته*