قد يكون العدوان، وتكون حرب الإبادة التي شنها ويشنها حكام إسرائيل، في هذه الأيام الرمضانية المباركة والحارة جدًا، طبيعيًا وسياسيًا، على الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة، قد فاقت كل درجات الاحتمال والصبر والإرهاب، في اغتيال البشر من كافة الأعمار وخاصة الأطفال والشجر والحجر. هذه الحرب المدمرة، قد كشفت بصورة لا تقبل التعليل والتمويه ولا الفصاحة في دهاليز السياسة، من ان السيد علي سلّام رئيس بلدية اكبر مدينة عربية وهي الناصرة، القلب النابض لجماهيرنا المتجذرة في الوطن من انه رفض استقبال واستضافة المظاهرة القطرية التي اقرتها لجنة المتابعة العليا في ناصرة الجليل، كخطوة احتجاجية استنكارًا لجرائم الاحتلال، وتضامنًا مع الشعب المقموع، فكم بالحري ان المقموع هو شعبنا العربي الفلسطيني.
المظاهرة المذكورة جرت يوم الجمعة 11/7 في كفرمندا، وكانت خير عمل كفاحي لمساندة شعبنا في غزة والضفة، وكان سلّام مشاركًا فيها. الأسباب التي ساقها في حينه السيد علي سلّام وائتلائه البلدي، في تبرير رفضه بعدم احتضان واستقباله للمظاهرة ما هي إلا أسباب اقل ما يمكن القول عنها انها اقل بكثير من مستوى الحضيض السياسي، مقارنة بضخامة الحدث والمأساة التي يجري فيها ذبح شعب بكامله، بينما تعم المظاهرات والاحتجاجات والمسيرات الغاضبة، عشرات العواصم العالمية والمدن في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وحتى الولايات المتحدة الداعمة لسياسة إسرائيل، فالأسباب بحد ذاتها كشفت عن البُعد والفارق بين قيادة مجربة كالتي سبقتها طيلة أربعين عامًا، قيادة تسير وتفهم طموحات ومشاعر المواطنين الوطنية وإرادة الجماهير في التعبير عما يختلج في صدور الناس من غضب ونقمة على ما تقترفه هذه الحكومة المجرمة وجيشها "الباسل الأخلاقي جدًا والحضاري جدًا"، بحق أبناء جلدتنا في غزة والضفة والقدس، وبين قيادة تبحث عن المبررات والأسباب للهرب من المسؤولية الوطنية والاستحقاق الوطني والسياسي في اتخاذ موقف علني وصريح، ثم ان الأسباب بكونه رئيس بلدية جديدًا، هذا صحيح، ولكن وعلى مدار أكثر من ثلاث دورات متتالية في إدارة البلدية الجبهوية تبوأ منصب قائم بالأعمال، وبيديه تقريبًا الكثير من جوانب الحل والربط، وهذا يعني انك ليس بجديد على العمل السياسي والوطني والعلاقة مع الجمهور، وانه من المفروض ان تكون تجربتك تستدعي ان لا تقبل الا ان تجري المظاهرة في مدينة الناصرة، لما تحتله هذه المدينة وأهلها الطيبون من مكانة خاصة في قلوب جماهيرنا في الداخل والشعب الفلسطيني عامة وعلى الصعيد العالمي، كما يريد كل جماهيرنا وأهلنا في كل مكان، وليس الشباب فقط، ان يعبروا عن رفضهم للحرب والعدوان والتضامن الطبيعي مع شعبنا، ان رفع الشعارات في ساحة العين وغيرها مع كل أهميته السياسية والإعلامية، لا يعبر عن مدى الضغط والغضب الساخط لدرجة الغليان الذي يملأ الصدور في أوساط شعبنا وجماهيرنا في الداخل، على ضخامة وحجم الضحايا التي تسقط يوميًا، فيما يسيل من الدم الفلسطيني في الشوارع في غزة وغيرها والعالم العربي والإسلامي والعالمي لا يحرك ساكنًا.
ثم اننا ضد حرق الممتلكات العامة والخاصة، وان ما جرى في هبة القدس والأقصى أكتوبر 2000 حملنا المسؤولية للشرطة ولسياسة الحكومة التي دفعت سياستها الحمقاء والمعادية لجماهيرنا وشعبنا في قتل ثلاثة عشر شهيدًا ناهيك عن عشرات الجرحى واعتمدت إلى مواجهة غضب الشباب بدفعهم إلى تصرفات قد يكون خُطط لها مسبقًا كي تبرر ما قامت به، ثم من حق شبابنا وجماهيرنا عامة، ان تعبر بشكل حر ديمقراطي، بما يتناسب مع حجم وتطور الأحداث الجارية داخليًا وفلسطينيًا وعربيًا أولا تجاه نفسها وشعبها ثانيًا بصفتها جزءًا حيا ونشيطا ومؤثرا وفعالا من الشعب الفلسطيني وتستطيع ان تحسم وتوحد وتؤثر من موقعها الثابت في وطنها.
ولهذا نرى من الواجب الأخلاقي والكفاحي، وموقع ومكانة الناصرة محليًا وعربيًا وعالميًا يحتم على الأخ علي سلّام ان يكمل من النقطة التي أنهى بها سلفه وما اعتمدوه الرؤساء الآخرون قبله في الأربعين عامًا المنصرمة، أمثال طيب الذكر القائد توفيق زياد وخليفته فيما بعد القائد والمهندس رامز جرايسي والذي عمل السيد علي سلّام إلى جانبه وفي مركز المسؤولية في مسيرة تطوير وازدهار الناصرة وجعلها مدينة يطيب العيش فيها حضارية راقية مزدهرة وعاصمة للثقافة ونبعا فوارًا للروح الوطنية لفترة تزيد عن خمسة عشر عامًا، ولو كنا ننتقد مسلك الأخ علي سلّام إنما من باب الحرص في مواصلة طريق من سبقه، ليس طريق الخدمات والتطور العمراني والمشاريعي والحضاري والرقي فحسب، وإنما نقصد تبنّي طريق الهامة المنتصبة والكرامة المرفوعة في وجه السلطة الظالمة، والذي على ما يظهر ومهما كانت الأسباب لا يعطي الحق للأخ علي سلّام ان يُغيِّب مدينة عريقة لها تاريخ مشرف وتقف في خندق المقاومة لمشاريع السلطة وفي الصفوف الأولى في مواجهة الظلم ومؤامرات الصهيونية على شعبنا وجماهيرنا وحاملة هموم الناس اليومية والكفاحية. فقد اعتاد شعبنا في كل مكان على ان الناصرة هي مركز الأحداث وهي شعلة الكفاح الوهاج الذي لا ينطفئ.
فمنذ قيام الصهيونية باحتلال واغتصاب البلاد من أهلها الأصليين وتشريدهم خارج الوطن، فقد احتلت الناصرة مركز المقاومة ونقطة الانطلاق وأساس اتخاذ القرار وتحولت إلى مركز لتسيير شرارة الكفاح والعمود الفقري للنضال الوطني اليومي للبقية الباقية من الشعب الفلسطيني، ولهذا تصدرت الناصرة الكفاح لسياسة الحكم العسكري وتجويع الناس واحتفالات عاشوراء لقيام الدولة، والتي أفشلها الشيوعيون سنة 1958، وانطلاقة الناصرة بلدية وجماهير في التصدي لسياسة الحرمان وقطع الميزانيات والحصار الاقتصادي والثقافي التي فرضته السلطة على البلدية والبلديات الجبهوية سنة 1975، واستطاع الشيوعيون بقيادة رئيس البلدية المنتخب من الجماهير وبأكثرية في المجلس البلدي القائد توفيق زياد، بالتحرك لإفشال هذا المخطط فكانت مخيمات العمل والكرامة في كل عام والتي استمرت لعشرات السنين، بعد كل هذا التاريخ الحافل والمشرف بالعمل والمواقف الكفاحية والبطولية التي اجترحها البناءون الأوائل، تأتي قوى وأفراد يعتقدون ان وصولهم إلى مركز السلطة والكرسي الوفير، وبدعم من جهات رسمية وتحالفات بدأت تتصدع في أول مطب وتبدل المواقف الوطنية بمواقف التستر والتأتأة وباسم مراعاة الظروف الجديدة ما بعد الانتخابات الأخيرة للبلدية والوسط العربي، من ان قائمة ناصرتي وعلى رأسها السيد علي سلّام يرون، ان التفريط بالمصالح الوطنية والمواقف الشجاعة وتغييب اسم الناصرة عن ساحة الكفاح اليومي لجماهيرنا وتهميش لدورها الوطني، هو اقل ما يمكن ان يقدموه أو يقدمه على حساب تسديد فاتورة النجاح والوصول إلى رئاسة البلدية، وافتعال ما جرى افتعاله، يهدف النيل من مكانة وصمود النصراويين بقيادة الشيوعيين والجبهويين.
على ضوء هذه المواقف التي لا تشرف الناصرة كبلدية وجماهير، اقول ان السير على طريق الخدمات "والتطور" والتغاضي أو التفريط بالكرامة الوطنية والموقف الشجاع والتفاعل مع مطلب الجماهير في التعبير عن حقها، إنما يهدف ويخدم من وراء ذلك سياسة السلطة على حساب المشروع الوطني وتصفية المطالب اليومية والقومية ضاربًا عرض الحائط بأسس الوحدة والتعامل كمجموعة قومية لها مطالب وأهمها السلام والمساواة. وقد أثبتت التجربة ان أكثر الطرق وأكثرها تكلفة واقلها وزنا واقلها كرامة، هي الطريق المهادنة والسير في تلم سياسة السلطة. اننا نطلب زيادة اليقظة السياسية ورفع مكانة الوعي والحس الوطني، وعدم الرضوخ أمام ضغط السلطة أو الخوف منها وما وضعه من مطبات سياسية يقصد منها إحداث البلبلة وتعميق الشرخ في ضرب وحدة جماهيرنا العربية وسلطاتنا وبلدياتنا المنتخبة، للحيلولة دون تحقيق أدنى متطلبات العمل الوطني ومناصرة قضايانا اليومية والوطنية، فطريق الهامة المرفوعة والكرامة الوطنية، هي الطريق الأصلب والأقصر والمضمون والأجمل في تحصيل الحقوق، فمسلك الكفاح هو الأضمن لانتزاع ونيل الحقوق كاملة وليس طريق الزحف على البطون ومجاراة السلطة وطأطأة الرؤوس ومعاندة الجماهير والشعب.
(كويكات/أبوسنان)
