لم يكن قول نفتالي بينيت ورد رئيس الحكومة عليه أكثر من سخافات انتخابات: فكلاهما لا يخطر بباله 'إجلاء يهودي واحد'. لكن الرد الشَرْطي المتزعزع مع التنديد الاسرائيلي كشف عن حقيقة مهمة هي أنه لا يوجد هنا وعي ديمقراطي. ان ذلك الرد الشَرْطي الأعمى يثور لمواجهة كل مظهر احتجاج كالمظاهرات والاضرابات واغلاق الشوارع واحراق اطارات السيارات، والمقاطعات ورفض الأوامر بالطبع فكلها سلوك 'غير مناسب'.
يُفترض في اسرائيل ان يجلس المواطن في قفصه مستسلما مطيعا بازاء كل مظلمة ونزوة من السلطة، وأن يبرز مرة كل اربع سنين من قفصه الى صندوق الاقتراع ويُسمى هذا ديمقراطية. فالشيء الأساسي هو عدم الاخلال بالنظام. بيد ان هذا لا يكون احيانا حق المواطن فقط بل واجبه حتى لو أقض راحة الاسرائيليين، بين الساعة الثانية والرابعة بعد الظهر أو في كل ساعة اخرى. إن جنديا يعتقد ان اخلاء منطقة يراها من ارض الآباء وأنها أساس لوجود شعبه ذو حق في رفض الأمر العسكري بفعل ذلك وأن يتحمل النتائج كما قال بينيت وبحق. إن جنديا كهذا أفضل من جندي آلي. ومثله ايضا الجندي الذي يشاهد عملا متوحشا كالسلب والمس بحقوق الانسان، أو ذاك الذي لا يريد ان يكون مشاركا في جرائم حرب، إنه هو ايضا أفضل من جندي ضارِب مُصاب بعمى اخلاقي.
ماذا سيكون مصير الدولة اذا رفض الجميع الأوامر؟ يسأل زارعو الهستيريا. من المؤسف جدا أن جنود الضمير من المستعدين لدفع ثمن عن أفعالهم هم قلة صغيرة دائما قياسا بالأكثرية الصامتة المغسولة الأدمغة والمُطيعة.
إن حكم المواطنين كحكم الجنود بيقين: فيحق لواحد من الرعايا في ارض محتلة سُلبت ارضه منه ان يحتج ومثله ايضا عامل ظُلم أو مواطن سُلب أو مجرد انسان يثور على الظلم. إن البديل الوحيد عن عدم الاكتراث البهيمي أو عن العنف، وكلاهما مرفوض، هو هذا الاحتجاج غير العنيف وإن لم يطيب للجيران. فهو واجب بل يجب أن نهتف له وإن كان احيانا يعوق الحركة في الشوارع.
لكن كل إضراب في اسرائيل يحظى فورا بجامات الاحتقار. ويعتبر احراق اطارات السيارات أو اغلاق الشوارع الرئيسة جريمة. وقد أُطلقت النار على العرب المحتجين فأردتهم قتلى وضُرب طلاب الجامعات المتظاهرون بقسوة، وتعتبر المقاطعات ورفض الأوامر أمرا محظورا. ولا تحب الأكثرية الصامتة الاحتجاجات من أي نوع. ولا يسأل أحد لماذا يحتجون فلربما كانوا على حق. هل يحتج فلسطينيون واسرائيليون على جدار الفصل في بلعين؟ يُقال في وسائل الاعلام فقط إن 'الفوضويين' يتظاهرون والجنود يطلقون النار. ولا يُنطق بكلمة واحدة عن العدل في الاحتجاج. وهذه ايضا حال الاحتجاج اليميني: فحينما أغلق موشيه فايغلين شوارع اعتُبر مجرما. لكن نشاطه كان بديلا مشروعا عن اعمال 'جباية الثمن' أو اطلاق النار على رُعاة الأغنام. حينما يُضرب الاطباء، وحينما تترك الممرضات الأقسام في المستشفيات، وحينما يناضل عمال مصنع 'بري هغليل' عن اماكن عملهم، وحينما يحرق عمال 'فنيتسيا' اطارات السيارات لانقاذ مصنعهم، يكون التنديد هو الكلام الوحيد. فنحن نريدهم في العمل ولا يهم في أية ظروف بل ينبغي فقط ألا يُخلوا بنظامنا.
أي شيء أكثر عدلا من القطيعة مع مطعم لا يستقبل ذوي أصول أثيوبية وعربا؟ وأي شيء أكثر اخلاقية من القطيعة مع منتوجات مصدرها السلب؟ إن اسرائيل نفسها هي ملكة المقاطعات؛ القطيعة مع حماس، والقطيعة مع ايران والقطيعة مع مطرب لم يخدم في الجيش الاسرائيلي، فاذا كان الأمر كذلك فلماذا الفرقعة باللسان في نفاق كلما استعمل مواطن هذه الخطوات العادلة المشروعة؟.
يجب ان تكون جميع هذه الوسائل الديمقراطية مقدسة. وقد نُدد وأُقصي وسُجن فريق كبير من الشخصيات المقتدى بها في التاريخ بل دفعوا حياتهم ثمن احتجاجهم. وكانوا هم الذين دعوا الى الاضراب والقطيعة ورفض الأوامر وحظوا بعد سنين كثيرة فقط بالتقدير المناسب. والحال كذلك هنا والآن ايضا: إن بينيت الذي لن يُبعد يهوديا عن بيته والجندي الذي لن يوافق على المشاركة في الاغتيالات الآثمة أفضل كثيرا من آلات اطلاق نار آلية، فعندنا منها ما يكفي ويزيد.
(هآرتس)
