خيار العاجز

single

عن ذلك الفرح المحزن سأتحدث، وعن أمنية الضعيف العاجز. عن وجوب الاختيار بين الظلمة والظلم، حيث تتبدد كل الخيارات الأخرى وتطوِّع عاطفتنا البدائية رجاحة العقل وأوليته.
عندما يتمنى مثقف ليبرالي تقدمي علماني أن ينتصر الطالبان في أفغانستان على أمريكا الشر والطغيان، مثل ما كتبه الكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور مؤخرًا، أقول هي أمنية العاجز الضعيف، وعندما يدعونا هذا المثقف لنصطف وراءه، ونزف أمنية على أمنية ليظفر جيش الطالبان بنصره على قوات الغرب الغازية، أقول أنها دعوة لنختار بين ظلم ذلك الغازي وظلمة حركة لا يجمعنا معها موقف ولن تُبقي لأمثالنا هامشاً يؤهلهم ليحيوا بعقلهم وفكرهم وقيمهم، فكلهم ونحن معهم، لنيران جهل هؤلاء أهداف.
أقول ما أقول وأعي أن شعباً يرزح تحت الاحتلال، أو يواجه غزواً، من حقه أن يقاوم من يحتله ويغزوه، لكنني أكتب عن ذلك العجز الذي أدى بالعديد من مثقفينا وطلائع الأمة لترفع الراية وتستسلم لواقع يخيِّرها بين ظلم أمريكا وبين حركة رجعية ظلامية، كحركة طالبان، وكأنه المصير المحتوم وكأن دور هؤلاء الطلائعيين والمثقفين يقتصر على الاختيار بين شريّن وليس المبادرة والعمل من أجل خيارهم الإنساني والديمقراطي.
لا أتحدث هنا من موقف سياسي واضح ورافض إزاء غزو أمريكا لأفغانستان أو العراق أو ما تعده من اعتداء على إيران وغيرها، فهذا يجب أن يبقى موقفاً سياسياً واضحاً وصريحاً لا خلاف عليه وحوله.
لسنا بحاجة لبراهين لما ستؤدي إليه سيطرة طالبان على دولة أفغانستان، ولسنا بحاجة لبراهين لما كانت ستفعله هذه الحركة مع من كتب في صالحها ودعمها، خاصة أولئك الذين يفعلون ذلك صراحة من وراء مكاتبهم الـمكندشة في جامعات ومعاهد أمريكا أو أي دولة غربية أخرى.
لسنا بحاجة لبراهين لما كانت هذه الحركة ستفعله مع كل فنان ومبدع، ولنتذكر كيف دكت مدافعهم ما خلفه شعب أفغانستان من آثار وإرث، عندما هشموا تلك التماثيل المنحوتة منذ زمن غابر في جبال وطنهم. أما عن ما ستؤول إليه أوضاع نصف مجتمعنا من نساء وصبايا وفتيات فحدث ولا حرج فكل حقوقهن ستغطى بـشادورات تعمم الرأس حتى أخمص القدمين وتلغي حتى وجودهن كعضوات متساويات في المجتمع.
من يحلم بنظام قضائي مستقل يصون ويدافع عن حق سلب وبيت اعتدي عليه وفكر قمع وكتاب حجب وصحيفة أحرقت، لن يجد إلا صوت البندقية وسوط الجلاد ينكب على ظهره في الساحات العامة ليكون عبرة لمن لم يعتبر بعد.
أما عن حرية المثقف، ذلك المثقف الذي يدافع الآن عن هذه الطالبان، فلن يكون مكان وهامش للحديث، لأنها أصلا لن تجد لها حيزا ولا هامشًا لتحيا وتتجسد في مقالة أو كراسة أو مطبعة أو دار نشر. لن أسترسل حول كم ستكون هذه الظلمة حالكة، لكنني على يقين أنها ستساوي بين مبصر وبين أعمى وهذا ما سيلقاه أي مثقف في أحسن الأحوال.
هذا سؤال طرحه ويطرحه العديد من المثقفين في العالم، وخاصة مثقفي العالم العربي، هل نحن مع الطالبان ضد أمريكا وهل نريد ونبتهل لنصر طالباني على أمريكا الشر؟.
باعتقادي إن من يطرح هذا السؤال، وبهذه الصيغة يقر ويعترف أنه عاجز وضعيف، وإن كان هذا في تعداد المثقفين، فهو بهذا يخسر أهم ما يميز المثقف، كل مثقف بالعالم، وهو حريته التي لا تعرف حدودًا، وكذلك رزمة القيم الإنسانية التقدمية التي يؤمن بها ويحيا ويقاوم من أجلها.
أنا، أيها القارئ، أقف ضد غزو أمريكا وحلفائها لأفغانستان ولأي بلاد أخرى، ولكنني لا أصلي لنصر حركة الطالبان هناك ولا لاعتلائها سدة الحكم. خياري هو مع من يحرر الأفغانيين من سطوة الغزو الأجنبي وبنفس الوقت مع من يحررهم من ظلمة ستخيم عليهم ولن تترك فسحة لأمل ولا بقعة لضوء به وبها أريد ومن يؤمن مثلي أن يحيا.
طبعاً أقول لا لاحتلالٍ أمريكي لأفغانستان، وأقول كذلك لا لظلمة وسطوة حركة جاهلة ظلامية، كحركة طالبان، خياري كان وسيبقى هو الحرية لأفغانستان ولكل "ستان" من كل غزو أجنبي ومن كل قمع وجهل وظلامية محلية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصفات الإنسانية التي يجب ان تطغى

featured

القدس في الانتخابات الفلسطينية

featured

شرطة في غير خدمة المواطن

featured

التتريك والتهويد والمطران حجّار

featured

السلطات المحلية العربية ودورها في التنظيم والبناء في البلدات العربية

featured

يخطئ من يظن أنّه...

featured

مكان ابن الشعب المضطهد في نضال الشعب المضطهد

featured

قراءة في فشل الخيارات الأحادية