يتوهم بعض السياسيين الفلسطينيين حين يتعاملون مع خارطة المشروع الوطني الفلسطيني المرحلي (مناطق 1967) على أنها الضفة الغربية وقطاع غزة، ويتعاملون مع نتائج الانقلاب على مشروع الوطن الفلسطيني بوجود كيانين هما الضفة الفلسطينية بإدارة السلطة الوطنية وقطاع غزة بإدارة حركة حماس وحقيقة الأمر والواقع أن خارطة المشروع الوطني الفلسطيني تتكون من ثلاثة كيانات هي الضفة والقطاع والقدس الشرقية، التي لا تزال ترزح تحت سلطة الاحتلال، على خلاف الوضع القائم في الضفة والقطاع، وإن كانت الكيانات الثلاثة لا تزال تحت هيمنة وسلطة الاحتلال المركزية، ولكن ثمة هامشا ملموسا من الحركة والحكم الذاتي يشمل الضفة والقطاع بشكل أو بآخر، بعكس الوضع الذي لا يشمل القدس وهي تقع تحت سلطة القانون الإسرائيلي كلياً.
ويعتقد بعض القادة الفلسطينيين أيضاً، أن حكومة نتنياهو ستسمح بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية الثالثة سواء تمت يوم الأحد 24/1/2010 وفق المرسوم الرئاسي الصادر في رام الله يوم 24/10/2009 أو تمت يوم الاثنين 28/6/2010 وفق الاقتراح المصري المتضمن في الورقة المقدمة من القاهرة وحملت عنوان "اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني ــ القاهرة 2009" وذلك أسوة بما جرى في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأولى التي تمت في 20/1 /1996، وفي الانتخابات الثانية التي جرت في 25/1/2006.
حكومة نتنياهو ليست كسابقاتها، فقد رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي نتائج المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي تمت في عهد حكومة يهود باراك في كامب ديفيد العام 2000، ورفض نتائج ما تم التوصل إليه مع حكومة يهود أولمرت في أنابوليس 2007 ــ 2008، وهو يسعى للتفاوض بدون القدس واللاجئين، وما يفعله من خلال تدفق هجمات المستوطنين المتتالية لحسم قضية القدس وفرض الأمر الواقع الإسرائيلي، ودفع الفلسطينيين إلى التسليم الواقعي بتهويد وأسرلة القدس وصهينتها، وهو استخلاص وواقع يتنافى مع التطلعات الفلسطينية ومع حقوق الشعب الفلسطيني ومع قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة.
معركة القدس عشية الانتخابات الفلسطينية وإجراءاتها ستفتح الصراع السياسي والقانوني والجماهيري الفلسطيني الإسرائيلي من أوسع أبوابه، فإذا نجح الجانب الفلسطيني بإجراء الانتخابات في القدس أسوة بالضفة والقطاع، وعلى قاعدة ما جرى في تجربتي الانتخابات الأولى العام 1996، والثانية العام 2006، فستكون النتيجة سقوط الائتلاف الحكومي برئاسة الليكود ونتنياهو، لأن برنامج حكومة نتنياهو وممارساتها على الأرض تتمثل بفرض السيطرة الإسرائيلية كاملة على القدس، وإذا أخفق الفلسطينيون في إجراء الانتخابات في القدس يكونون قد سلموا واقعياً وقانونياً أن القدس الشرقية لم تعد لهم ولن تكون بحوزتهم كما هي الضفة والقطاع.
معركة القدس شرسة وتداعياتها صعبة وتفاصيلها مؤلمة وقاسية وتحتاج لحنكة في العمل وأداء رفيع على الأرض وشجاعة وقدرة على المواجهة الدبلوماسية والقانونية والسياسية والجماهيرية.
مرسوم الرئيس عباس التقط الأهمية، فرسم في المادة الأولى ما نصه "الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الفلسطينية وقطاع غزة، مدعو لانتخابات رئاسية وتشريعية حرة ومباشرة يوم الأحد 24/1/2010" ولذلك تحدث عن ثلاث مناطق جغرافية، ووضع القدس في مقدمتها، بينما نصت الورقة المصرية على إجراء "الانتخابات الرئاسية والتشريعية في جميع مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية بما فيها القدس البند الثاني الانتخابات (صفحة 5)".
حصيلة ذلك كله أن الانتخابات لم تعد فقط وسيلة الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، بل هي شكل من أشكال المواجهة في معركة تقرير المصير والاستفتاء على المستقبل، ووسيلة توحيد الشعب في نطاق مؤسسات منظمة التحرير وسلطتها الوطنية من خلال قانون التمثيل النسبي الكامل، الذي يوحد المناطق الجغرافية الثلاث في قوائم انتخابية واحدة، ويوحد الناخبين في إعطاء أصواتهم لقائمة واحدة تمثل مكونات الوطن الثلاثة ومجموع الشعب في مناطقه الثلاث المقطوعة عن بعضها البعض، فيما النظام المختلط يمزق الشعب ويجعل كل منطقة جغرافية كدائرة انتخابية معزولة في تصويتها وفي تمثيلها عن الدوائر الانتخابية الأخرى.
الانتخابات هي وسيلة الشرعية، وإعطاء صاحب الولاية الشعب حق الاختيار في انتخابات ممثلة وفي انحيازه لهؤلاء الممثلين المنتخبين يعبر عن انحيازه ودعمه واختياره للبرنامج السياسي وأدوات النضال لتحقيق هذا البرنامج، ولذلك لم يكن عبثاً ولا صدفة أن اختار أغلبية الفلسطينيين ممثلي حركة فتح العام 1996، وعاقبهم العام 2006 بانحيازه لأغلبية من حركة حماس، وسيكون دقيقاً وممعناً في حسن الاختيار ودقة التصويت في العام 2010، وعليه يجب ان يكون واضحاً أن لا شرعية لفتح أو لحماس، او لمحمود عباس أو من ينافسه، إلا عبر صناديق الاقتراع، فهي مفتاح الشرعية وأداتها، وعلى الشعب الفلسطيني أن يتعلم من عدوه في كيفية التعايش مع الاستنفار والاحتقان والاشتباك السياسي، حين يلجأ الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لتحديد خياراتهم واصطفاء قياداتهم والانحياز لبرنامج محدد في مواجهة برامج مناوئة.
